(تنوير المقباس من تفسير ابن عباس) تفسير قوله تعالى :
ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246)
{ألم تر إلى الملإ} ألم تخبر عن قوم {من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم} اشمويل {ابعث لنا ملكا} بين لنا ملك الجيش {نقاتل} بأمره مع عدونا {في سبيل الله} في طاعة الله {قال هل عسيتم} أتقدرون وإن قرأت بخفض السين تقول أحسبتم {إن كتب} إن فرض {عليكم القتال} مع عدوكم {ألا تقاتلوا} عدوكم {قالوا وما لنآ ألا نقاتل} ولم لا نقاتل العدو {في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا} من منازلنا {وأبنآئنا} وسبي ذرارينا {فلما كتب} أوجب {عليهم القتال تولوا} أعرضوا عن قتال عدوهم {إلا قليلا منهم} ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا {والله عليم بالظالمين} الذين تولوا عن قتال عدوهم
(1/34)
وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247)
{وقال لهم نبيهم} أشمويل {إن الله قد بعث} بين {لكم طالوت ملكا} ملكه عليكم {قالوا أنى يكون} من أين يكون {له الملك علينا} وليس هو من سبط الملك {ونحن أحق بالملك منه} لأنا من سبط الملك {ولم يؤت سعة من المال} ليس له سعة المال لينفق على الجيش قال أشمويل {إن الله اصطفاه} اختاره بالملك وملكه {عليكم وزاده بسطة} فضيلة {في العلم} علم الحرب {والجسم} الطول والقوة {والله يؤتي ملكه} يعطي ملكه {من يشآء} في الدنيا وإن لم يكن من سبط الملك {والله واسع} بالعطية {عليم} بمن يعطي قالوا ليس ملكه من الله بل أنت ملكته علينا
(1/35)
وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (248)
{وقال لهم نبيهم} أشمويل {إن آية} علامة {ملكه} أنه من الله {أن يأتيكم التابوت} هو أن يرد إليكم التابوت الذي أخذ منكم {فيه سكينة} رحمة وطمأنينة ويقال فيه ريح النصرة له صفرة كوجه إنسان {من ربكم وبقية مما ترك آل موسى} مما ترك موسى يعني كتابه ويقال ألواحه وعصاه {وآل هارون} مما ترك هرون رداؤه وعمامته {تحمله} تسوقه {الملائكة} إليكم {إن في ذلك} في رد التابوت إليكم {لآية} علامة {لكم} أن ملكه من الله {إن كنتم مؤمنين} مصدقين فلما رد إليهم التابوت قبلوا وخرجوا معه
(1/35)
فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين (249)
{فلما فصل طالوت} خرج طالوت {بالجنود} بالجيش فأخذ يمشي بهم في أرض قفرة فأصابهم حر وعطش شديد فطلبوا منه الماء قال لهم طالوت {إن الله مبتليكم بنهر} مختبركم بنهر جار {فمن شرب منه} من النهر {فليس مني} ليس معي على عدوي ولا يجاوزه {ومن لم يطعمه} لم يشرب منه {فإنه مني} على عدوي ثم استثنى فقال {إلا من اغترف غرفة بيده} وإن قرأت بفتح الغين أراد به غرفة واحدة فكانت تكفيهم تلك الغرفة لشربهم ودوابهم وحملهم {فشربوا منه} فلما بلغوا إلى النهر وقفوا في النهر وشربوا منه كيف شاءوا {إلا قليلا منهم} ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا لم يشربوا إلا كما دلهم الله {فلما جاوزه} يعني النهر {هو} يعني طالوت {والذين آمنوا} صدقوا {معه قالوا} فيما بينهم {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون} يعلمون ويستيقنون {أنهم ملاقوا الله} معاينو الله بعد الموت {كم من فئة قليلة} جماعة قليلة من المؤمنين {غلبت فئة} جماعة {كثيرة} من الكافرين {بإذن الله} بنصر الله {والله مع الصابرين} معين الصابرين في الحرب بالنصرة
(1/35)
ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (250)
{ولما برزوا} تصافوا {لجالوت وجنوده قالوا} يعني هؤلاء المصدقين {ربنآ أفرغ علينا صبرا} أي أكرمنا بالصبر {وثبت أقدامنا} في الحرب {وانصرنا على القوم الكافرين} على جالوت وجنوده
(1/35)
فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين (251)
{فهزموهم بإذن الله} بنصرة الله {وقتل داود} النبي {جالوت} الكافر {وآتاه الله الملك} أعطى الله داود ملك بني إسرائيل {والحكمة} الفهم والنبوة {وعلمه مما يشآء} يعني الدروع {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} كما دفع بداود شر جالوت عن بني إسرائيل {لفسدت الأرض} بأهلها يقول دفع الله بالنبيين عن المؤمنين شر أعدائهم وبالمجاهدين عن القاعدين عن الجهاد شر أعدائهم ولولا ذلك لفسدت الأرض بأهلها
(1/35)
{ولكن الله ذو فضل} ذو من {على العالمين} بالدفع
(1/36)
تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252)
{تلك آيات الله} هذه آيات الله يعني القرآن بأخبار الأمم الماضية {نتلوها عليك} ننزل عليك جبرائيل منا {بالحق} لبيان الحق والباطل {وإنك لمن المرسلين} إلى الجن والإنس كافة
(1/36)
تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين
المصدر :
كتاب: تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
ينسب: لعبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - (المتوفى: 68هـ)
جمعه: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى (المتوفى: 817هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية - لبنان
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]