الخميس، 31 مارس 2016

قال ابن كثير:/تفسير/ { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (84) ثم أنتم هؤلاء تقتلون ...الاية

قال ابن كثير:/تفسير/ { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (84) ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85) أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون (86) }
يقول، تبارك وتعالى، منكرا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع. وبنو النضير حلفاء الخزرج. وبنو قريظة حلفاء الأوس. فكانت الحرب إذا نشبت (1) بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينه ونص كتابه، ويخرجونهم من بيوتهم وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملا بحكم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } ولهذا قال تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } أي: لا يقتل بعضكم بعضا، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه، كما قال تعالى: { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم } [البقرة: 54]
__________
(1) في أ: "نشئت".
(1/318)
وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة، كما قال عليه الصلاة والسلام: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".
[وقوله] (1) { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } أي: ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به.
{ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم } قال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة-عن ابن عباس: { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } الآية، قال: أنبهم الله (2) من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم (3) وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع وإنهم (4) حلفاء الخزرج، والنضير، وقريظة وإنهم (5) حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر (6) كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنة ولا نارا، ولا بعثا ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حلالا ولا حراما، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقا لما في التوراة، وأخذا به؛ بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي (7) الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي (8) الخزرج منهم، ويطلبون (9) ما أصابوا من دمائهم (10) وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره حيث أنبهم (11) بذلك: { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } أي: يفاديه بحكم التوراة ويقتله، وفي حكم التوراة ألا يفعل، ولا يخرج (12) من داره، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه، ابتغاء عرض الدنيا. ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج -فيما بلغني-نزلت هذه القصة (13) .
وقال أسباط عن السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سمير، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءهم، وكانت النضير تقاتل قريظة
__________
(1) زيادة من جـ، ط، أ.
(2) في جـ، ط، ب، أ، و: "أنبأهم الله بذلك".
(3) في جـ: "سفك الدماء".
(4) في جـ: "وهم".
(5) في جـ: "وهم".
(6) في جـ، ط، ب: "فظاهر".
(7) في جـ: "يدي".
(8) في جـ: "يدي".
(9) في جـ، ط، أ: "يطلبون".
(10) في جـ، ط، ب، أ، و: "من الدماء وقتلوا".
(11) في جـ، ط، ب، أ، و: "حين أنبأهم".
(12) في جـ، ط، ب: "ويخرجه".
(13) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/540) وتفسير الطبري (2/305).
(1/319)
وحلفاءها، ويغلبونهم، فيخربون ديارهم، ويخرجونهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما، جمعوا له حتى يفدوه. فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحيى أن تستذل حلفاؤنا (1) . فذلك حين عيرهم الله، فقال: { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم }
وقال شعبة، عن السدي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخطيم: { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان }
وقال أسباط، عن السدي، عن عبد خير، قال: غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بلنجر (2) فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة، فلما مر برأس الجالوت نزل به، فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت، هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك، تشتريها مني؟ قال: نعم. قال: أخذتها بسبعمائة درهم. قال: فإني أربحك سبعمائة أخرى. قال: فإني قد حلفت ألا أنقصها من أربعة آلاف. قال: لا حاجة لي فيها، قال: والله لتشترينها مني، أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه. قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه التي في التوراة: إنك لا تجد مملوكا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم } قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم. قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين، ورد عليه ألفين.
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: حدثنا أبو جعفر يعني الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، أخبرنا أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليها العرب، ولا يفادي من وقع عليها العرب، فقال (3) عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن.
والذي أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق، ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها، مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله (4) صلى الله عليه وسلم ونعته، ومبعثه ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شؤونه، التي قد أخبرت بها الأنبياء قبله. واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم، ولهذا قال تعالى { فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا } أي: بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره { ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } جزاء على ما كتموه من كتاب الله الذي بأيديهم { وما الله بغافل عما تعملون* أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة } أي: استحبوها على الآخرة واختاروها { فلا يخفف عنهم العذاب } أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة { ولا هم ينصرون }
__________
(1) في أ، و: "نستذل بحلفائنا".
(2) في جـ: "بكنجر".
(3) في جـ، ط، ب، أ، و: "فقال له".
(4) في جـ: "صفة محمد".
(1/320)
ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87)
أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم منه.






المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الأربعاء، 30 مارس 2016

قال ابن كثير : { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) }

يقول تعالى إخبارا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، ثم ينجون منها، فرد الله عليهم ذلك بقوله: { قل أتخذتم عند الله عهدا } (6) أي: بذلك؟ فإن كان قد وقع عهد فهو لا يخلف عهده (7) .
ولكن هذا ما جرى ولا كان. ولهذا أتى بـ"أم" التي بمعنى: بل، أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.
قال (8) محمد بن إسحاق، عن سيف بن سليمان (9) عن مجاهد، عن ابن عباس: أن اليهود كانوا يقولون: هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة (10) . فأنزل الله تعالى: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } إلى قوله: { خالدون } [البقرة: 82].
ثم رواه عن محمد، عن سعيد -أو عكرمة-عن ابن عباس، بنحوه.
وقال العوفي عن ابن عباس: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } اليهود قالوا (11) : لن
__________
(1) في ط: "يعرفونه"، وفي و: "تعرفونه".
(2) في جـ، ط، و: "غضا".
(3) في جـ: "أفلم".
(4) صحيح البخاري برقم (2685 ، 7363 ، 7523).
(5) في جـ: "من الكتب".
(6) بعدها في جـ: "فلن يخلف الله عهده".
(7) في جـ، ط، ب، أ، و: "وعده".
(8) في جـ، ط: "وقال".
(9) في جـ: "سلمان".
(10) في جـ، ط، ب، أ، و: "أيام معدودات".
(11) في جـ: "وقالوا".
(1/313)
تمسنا النار إلا أربعين ليلة، [زاد غيره: هي مدة عبادتهم العجل، وحكاه القرطبي عن ابن عباس وقتادة] (1) .
وقال الضحاك: قال ابن عباس: زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا: أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، التي هي نابتة في أصل الجحيم. وقال أعداء الله: إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك. فذلك قوله تعالى: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة }
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } يعني: الأيام التي عبدنا فيها العجل (2) .
وقال عكرمة: خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا إليها (4) قوم آخرون، يعنون (5) محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رءوسهم: "بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم إليها أحد". فأنزل الله: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } الآية.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن جعفر، حدثنا محمد بن محمد بن صخر، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال (6) رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا" فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أبوكم؟" قالوا: فلان (7) . قال: "كذبتم، بل أبوكم فلان". فقالوا: صدقت وبررت، ثم قال لهم: "هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟". قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أهل النار؟" فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اخسأوا، والله لا نخلفكم فيها أبدا". ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟". قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سما؟". فقالوا: نعم. قال (8) : "فما حملكم على ذلك؟". فقالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك.
ورواه أحمد، والبخاري، والنسائي، من حديث الليث بن سعد، بنحوه (9) .
__________
(1) زيادة من جـ، ط، ب، و.
(2) تفسير عبد الرزاق (1/71، 72).
(3) في جـ: "رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه".
(4) في جـ: "فيها".
(5) في جـ، ط، أ، و: "يعني"، وفي ب: "تعني".
(6) في ط، ب: "فقال لهم".
(7) في جـ: "قالوا: أبونا فلان".
(8) في جـ، ط، ب: "فقال".
(9) المسند (2/451) وصحيح البخاري برقم (3161، 4249) وسنن النسائي الكبرى برقم (11355).
(1/314)
بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81) والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82)
{ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81) والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) }
يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر: أنه من عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع عمله سيئات، فهذا من أهل النار، والذين آمنوا بالله ورسوله (1) وعملوا الصالحات -من العمل الموافق للشريعة-فهم (2) من أهل الجنة. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا* ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا } [النساء: 123 ، 124].
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد -أو عكرمة-عن ابن عباس: { بلى من كسب سيئة } أي: عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره (3) فما له من حسنة.
وفي رواية عن ابن عباس، قال: الشرك.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي وائل، وأبي العالية، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، نحوه (4) .
وقال الحسن -أيضا-والسدي: السيئة: الكبيرة من الكبائر.
وقال ابن جريج، عن مجاهد: { وأحاطت به خطيئته } قال: بقلبه.
وقال أبو هريرة، وأبو وائل، وعطاء، والحسن: { وأحاطت به خطيئته } قالوا: أحاط به شركه.
وقال الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خثيم: { وأحاطت به خطيئته } قال: الذي يموت على خطايا (5) من قبل أن يتوب. وعن السدي، وأبي رزين، نحوه.
وقال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، في رواية عنهما، وقتادة، والربيع بن أنس: { وأحاطت به خطيئته } الكبيرة الموجبة.
وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم. ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال:
حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمرو بن قتادة (6) عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله
__________
(1) في أ: "ورسله".
(2) في جـ، ط، ب، أ، و: "فهو".
(3) في جـ: "فمتى يحيط عمله".
(4) في جـ: "بنحوه".
(5) في أ، و: "على خطاياه".
(6) في أ: "عن عمر بن صادق".
(1/315)
وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83)
بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه". وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادا (1) ، وأججوا نارا، فأنضجوا ما قذفوا فيها (2) .
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد، عن سعيد -أو عكرمة-عن ابن عباس: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله، لا انقطاع له أبدا (3) .
{ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) }
يذكر تبارك وتعالى بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذ ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدا وعمدا، وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وبهذا أمر جميع خلقه، ولذلك خلقهم كما قال تعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } [الأنبياء: 25] وقال تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } [النحل: 36] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تعالى، أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: { أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير } [لقمان: 14] وقال تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } الآية إلى أن قال: { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل } [الإسراء: 23-26] وفي الصحيحين، عن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" (4) . ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أن رجلا قال: يا رسول الله، من أبر؟ قال: "أمك". قال: ثم من (5) ؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أباك . ثم أدناك أدناك" (6) .
__________
(1) في جـ: "جمعوا أعوادا".
(2) المسند (1/402).
(3) في جـ، ط، ب: "أبدا لا انقطاع له".
(4) صحيح البخاري برقم (527، 5970، 7534) وصحيح مسلم برقم (85).
(5) في ط: "ثم قال من".
(6) جاء من حديث معاوية بن حيدة، رواه أبو داود في السنن برقم (5139)، ومن حديث كليب بن منفعة عن أبيه عن جده، رواه أبو داود في السنن برقم (5140).
(1/316)
[وقوله: { لا تعبدون إلا الله } قال الزمخشري: خبر بمعنى الطلب، وهو آكد. وقيل: كان أصله: ألا تعبدوا كما قرأها بعض السلف (1) فحذفت أن فارتفع، وحكي عن أبي وابن مسعود، رضي الله عنهما، أنهما قرآها: "لا تعبدوا إلا الله". وقيل: { لا تعبدون } مرفوع على أنه قسم، أي: والله لا تعبدون إلا الله، ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبويه. وقال: اختاره المبرد والكسائي والفراء] (2) .
قال: { واليتامى } وهم: الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء. [وقال أهل اللغة: اليتيم في بني آدم من الآباء، وفي البهائم من الأم، وحكى الماوردي أن اليتيم أطلق في بني آدم من الأم أيضا] (3) { والمساكين } الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء، التي أمرنا الله تعالى بها صريحا في قوله: { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا } الآية [النساء: 36].
وقوله تعالى: { وقولوا للناس حسنا } أي: كلموهم طيبا، ولينوا لهم جانبا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري في قوله: { وقولوا للناس حسنا } فالحسن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حسنا كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله.
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا أبو عامر الخزاز، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تحقرن من المعروف شيئا، وإن لم تجد فالق أخاك بوجه منطلق (4) " .
وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي [وصححه] (5) من حديث أبي عامر الخزاز، واسمه صالح بن رستم، به (6) .
وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنا، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي. ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمعين (7) من ذلك، وهو الصلاة والزكاة، فقال: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله، أي: تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به، إلا القليل منهم، وقد أمر تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء، بقوله: { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } [النساء: 36]
__________
(1) في أ: "كما قرأها من قرأها من السلف".
(2) زيادة من جـ، ط، ب، أ.
(3) زيادة من جـ، ط، ب، أ.
(4) في ط: "بوجه طلق".
(5) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(6) المسند (5/173) وصحيح مسلم برقم (2626) وسنن الترمذي برقم (1833).
(7) في جـ، ط، ب، أ، و: "بالمتعين".
(1/317)
فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها، ولله الحمد والمنة.
ومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره:
حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبد الله بن يوسف -يعني التنيسي-حدثنا خالد بن صبيح، عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وداعة: أنه كان يخرج من منزله فلا يلقى يهوديا ولا نصرانيا إلا سلم عليه، فقيل له: ما شأنك؟ تسلم على اليهودي والنصراني. فقال: إن الله يقول: { وقولوا للناس حسنا } وهو: السلام. قال: وروي عن عطاء الخراساني، نحوه.
قلت: وقد ثبت في السنة أنهم لا يبدؤون بالسلام، والله أعلم (1) .
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (2166) عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه".
(1/318)

{ وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (84) ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85) أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون (86) }




المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الاثنين، 28 مارس 2016

قال ابن كثير/تفسير/قوله : { أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون }

قال أبو العالية: يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به، وهو (1) يجدونه مكتوبا عندهم. وكذا قال قتادة.
وقال الحسن: { أن الله يعلم ما يسرون } قال: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا أن يخبر أحد (2) منهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما فتح الله عليهم مما في كتابهم، خشية أن يحاجهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما في كتابهم عند (3) ربهم. { وما يعلنون } يعني: حين قالوا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: آمنا. وكذا قال أبو العالية، والربيع، وقتادة .
{ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) }
يقول تعالى: { ومنهم أميون } أي: ومن أهل الكتاب، قاله مجاهد: والأميون جمع أمي، وهو: الرجل الذي لا يحسن الكتابة، قاله أبو العالية، والربيع، وقتادة، وإبراهيم النخعي، وغير واحد (4) وهو ظاهر في قوله تعالى: { لا يعلمون الكتاب [إلا أماني] } (5) أي: لا يدرون ما فيه. ولهذا في صفات النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمي؛ لأنه لم يكن يحسن الكتابة، كما قال تعالى: { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون } [العنكبوت: 48] وقال عليه الصلاة والسلام: "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا" الحديث. أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب وقال تعالى: { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } [الجمعة: 2] .
وقال ابن جرير: نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتاب دون أبيه، قال: وقد روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما (6) قول خلاف هذا، وهو ما حدثنا به أبو كريب: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: { ومنهم أميون } قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله، ولا كتابا أنزله الله، فكتبوا كتابا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال: { هذا من عند الله } وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين، لجحودهم كتب الله ورسله. ثم قال ابن جرير: وهذا التأويل (7) على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم. وذلك أن الأمي عند العرب: الذي لا يكتب (8) .
قلت: ثم في صحة هذا عن ابن عباس، بهذا الإسناد، نظر. والله أعلم.
__________
(1) في جـ، ط، ب، أ، و: "وهم".
(2) في جـ: "يخبروا واحدا"، وفي أ: "يخبروا أحد".
(3) في جـ: "وعند".
(4) في أ: "وإبراهيم النخغي وغيرهم".
(5) زيادة من جـ، ط، ب.
(6) في ط: "رضي الله عنه".
(7) في جـ، ط، ب، أ، و: "وهذا التأويل تأويل".
(8) تفسير الطبري (2/259).
(1/310)
قوله (1) تعالى: { إلا أماني } قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: { إلا أماني } إلا أحاديث.
وقال الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: { إلا أماني } يقول: إلا قولا يقولونه بأفواههم كذبا. وقال مجاهد: إلا كذبا. وقال سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج عن مجاهد: { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني } قال: أناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئا، وكانوا يتكلمون بالظن (2) بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها. وعن الحسن البصري، نحوه.
وقال أبو العالية، والربيع وقتادة: { إلا أماني } يتمنون على الله ما ليس لهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: { إلا أماني } قال: تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب. وليسوا منهم.
قال ابن جرير: والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس، وقال مجاهد: إن الأميين الذين وصفهم الله أنهم لا يفقهون من الكتاب -الذي أنزل (3) الله على موسى -شيئا، ولكنهم يتخرصون الكذب ويتخرصون الأباطيل كذبا وزورا. والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه. ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: "ما تغنيت ولا تمنيت". يعني ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب (4) .
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون } ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون (5) نبوتك بالظن.
وقال مجاهد: { وإن هم إلا يظنون } يكذبون.
وقال قتادة: وأبو العالية، والربيع: يظنون الظنون بغير الحق.
وقوله: { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا } الآية: هؤلاء صنف (6) آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل.
والويل: الهلاك والدمار، وهي كلمة مشهورة في اللغة. وقال سفيان الثوري، عن زياد بن فياض: سمعت أبا عياض يقول: ويل: صديد في أصل جهنم.
وقال عطاء بن يسار. الويل: واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت.
__________
(1) في جـ، ط: "وقوله".
(2) في جـ: "يتكلمون الظن".
(3) في جـ، ط، ب: "الذي أنزله".
(4) تفسير الطبري (1/262).
(5) في أ، و: "وهم يجدون".
(6) في جـ: "هو صنف".
(1/311)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "ويل واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره".
ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج، به (1) . وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.
قلت: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد -مرفوعا-منكر، والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح العشيري (2) حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } قال: "الويل جبل في النار. وهو الذي أنزل في اليهود؛ لأنهم حرفوا التوراة، زادوا فيها ما أحبوا، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة. ولذلك غضب الله عليهم، فرفع بعض التوراة، فقال: { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } (3) .
وهذا غريب أيضا جدا.
[وعن ابن عباس: الويل: السعير من العذاب، وقال الخليل بن أحمد: الويل: شدة الشر، وقال سيبويه: ويل: لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها، وقال الأصمعي: الويل: تفجع والويل ترحم، وقال غيره: الويل الحزن (4) . وقال الخليل: وفي معنى ويل: ويح وويش وويه وويك وويب، ومنهم من فرق بينها، وقال بعض النحاة: إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء، ومنهم من جوز نصبها، بمعنى: ألزمهم ويلا. قلت: لكن لم يقرأ بذلك أحد] (5) .
وعن عكرمة، عن ابن عباس: { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } قال: هم أحبار اليهود. وكذا قال سعيد، عن قتادة: هم اليهود.
وقال سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن علقمة: سألت ابن عباس عن قوله تعالى: { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } قال: نزلت في المشركين وأهل الكتاب.
وقال السدي: كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا (6) به ثمنا قليلا.
__________
(1) تفسير ابن أبي حاتم (1/243) وسنن الترمذي برقم (3164).
(2) في جـ: "العيري".
(3) تفسير الطبري (2/268).
(4) في أ: "الخوف".
(5) زيادة من جـ، ط، ب.
(6) في جـ، ط، ب: "فيأخذوا".
(1/312)
وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80)
وقال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه، أحدث أخبار الله تقرؤونه (1) محضا (2) لم يشب؟ وقد حدثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا؛ أفلا (3) ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدا قط سألكم عن الذي أنزل إليكم. رواه البخاري (4) من طرق عن الزهري.
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها.
وقوله تعالى: { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب (5) والبهتان، والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت، كما قال الضحاك عن ابن عباس: { فويل لهم } يقول: فالعذاب عليهم، من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب، { وويل لهم مما يكسبون } يقول: مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم.




المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الأحد، 27 مارس 2016

قال ابن كثير/تفسير/قوله تعالى{ وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون (73)


{ وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون (73) }
قال البخاري: { فادارأتم } اختلفتم. وهكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي حذيفة، عن شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أنه قال في قوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها } اختلفتم.
وقال عطاء الخراساني، والضحاك: اختصمتم فيها. وقال ابن جريج { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها } قال: قال بعضهم أنتم قتلتموه.
وقال آخرون: بل أنتم قتلتموه. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
{ والله مخرج ما كنتم تكتمون } قال مجاهد: ما تغيبون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن مسلم البصري، حدثنا محمد بن الطفيل العبدي، حدثنا صدقة بن رستم، سمعت المسيب بن رافع يقول: ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك في كلام الله: { والله مخرج ما كنتم تكتمون* فقلنا اضربوه ببعضها } هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة فالمعجزة حاصلة به.
وخرق العادة به كائن، وقد كان معينا في نفس الأمر، فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكن أبهمه، ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه (1) فنحن نبهمه كما أبهمه الله.
ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه، قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى، حتى أعطوه ملء مسكها دنانير، فذبحوها، فضربوه -يعني القتيل-بعضو منها، فقام تشخب أوداجه دما [فسألوه] (2) فقالوا له: من قتلك؟ قال: (3) قتلني فلان (4) .
وكذا قال الحسن، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنه ضرب ببعضها.
وفي رواية عن ابن عباس: إنهم ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، قال: قال أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة: ضربوا القتيل ببعض لحمها. وقال معمر: قال قتادة: فضربوه بلحم فخذها فعاش، فقال: قتلني فلان.
وقال أبو أسامة، عن النضر بن عربي، عن عكرمة: { فقلنا اضربوه ببعضها } [قال] (5) فضرب
__________
(1) في جـ: "عن معصوم حدثنا به".
(2) زيادة من جـ.
(3) في جـ: "فقال".
(4) تفسير ابن أبي حاتم (1/229).
(5) زيادة من جـ، أ، و.
(1/302)
بفخذها فقام، فقال: قتلني فلان.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، وقتادة، نحو ذلك.
وقال السدي: فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين فعاش، فسألوه، فقال: قتلني ابن أخي.
وقال أبو العالية: أمرهم موسى، عليه السلام، أن يأخذوا عظما من عظامها، فيضربوا به القتيل، ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله ثم عاد ميتا كما كان.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فضربوه ببعض آرابها [وقيل: بلسانها، وقيل: بعجب ذنبها] (1) .
وقوله: { كذلك يحيي الله الموتى } أي: فضربوه فحيى. ونبه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل: جعل تبارك وتعالى ذلك الصنع حجة لهم على المعاد، وفاصلا ما كان بينهم من الخصومة والفساد (2) ، والله تعالى قد ذكر في هذه السورة ما خلقه في (3) إحياء الموتى، في خمسة مواضع: { ثم بعثناكم من بعد موتكم } [البقرة: 56]. وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم والطيور الأربعة.
ونبه تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها (4) رميما، كما قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، أخبرني يعلى بن عطاء، قال: سمعت وكيع بن عدس، يحدث عن أبي رزين العقيلي، قال: قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال: "أما مررت بواد ممحل، ثم مررت به خضرا؟" قال: بلى. قال: "كذلك النشور". أو قال: "كذلك يحيي الله الموتى" (5) . وشاهد هذا قوله تعالى: { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون* وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون* ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون } [يس:33-35] .
مسألة: استدل لمذهب مالك في كون قول الجريح: فلان قتلني لوثا بهذه القصة؛ لأن القتيل لما حيي سئل عمن قتله فقال: قتلني فلان، فكان ذلك مقبولا منه؛ لأنه لا يخبر حينئذ إلا بالحق، ولا يتهم والحالة هذه، ورجحوا ذلك بحديث أنس: أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها، فرضخ رأسها بين حجرين فقيل: من فعل بك هذا؟ أفلان؟ أفلان؟ حتى ذكر اليهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فلم يزل به حتى اعترف، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد رأسه بين حجرين (6) وعند مالك: إذا كان لوثا حلف أولياء القتيل قسامة، وخالف الجمهور في ذلك ولم يجعلوا قول القتيل في
__________
(1) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(2) في جـ، ط، ب، أ، و: "والعناد".
(3) في جـ، ط، ب، أ، و: "من".
(4) في جـ، ط، ب، أ، و: "بعد صيرورتها".
(5) مسند الطيالسي برقم (1089).
(6) رواه البخاري في صحيحه برقم (6885).
(1/303)
ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74)
ذلك لوثا.




المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الجمعة، 25 مارس 2016

قال ابن كثير/تفسير/: { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (65) فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (66) }


يقول تعالى: { ولقد علمتم } يا معشر اليهود، ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره، إذ كان مشروعا لهم، فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت، بما وضعوا لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت. فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل (7) الظاهر وليست بإنسان حقيقة. فكذلك أعمال هؤلاء وحيلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم. وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف، حيث يقول تعالى: { واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون } [الأعراف : 163 ] القصة بكمالها.
__________
(1) زيادة من جـ، ب، أ، و.
(2) في جـ: "فقال".
(3) في جـ: "فوقهم" وهو خطأ.
(4) في جـ، ب، أ، و: "دفنته".
(5) في جـ، ب، أ، و: "دفنته إلا".
(6) في جـ، ط، أ، و: "أي بتوبته".
(7) في جـ: "بالأناسي والشكل".
(1/288)
وقال السدي: أهل هذه القرية هم أهل "أيلة". وكذا قال قتادة، وسنورد أقوال المفسرين هناك مبسوطة إن شاء الله وبه الثقة (1) .
وقوله: { كونوا قردة خاسئين } قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين } قال: مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله { كمثل الحمار يحمل أسفارا } [الجمعة : 5].
ورواه ابن جرير، عن المثنى، عن أبي (2) حذيفة. وعن محمد بن عمرو (3) الباهلي، عن أبي عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به.
وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره، قال الله تعالى: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت } الآية [المائدة : 60] .
وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: { فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين } فجعل [الله] (4) منهم القردة والخنازير. فزعم أن شباب القوم صاروا قردة والمشيخة صاروا خنازير.
وقال شيبان النحوي، عن قتادة: { فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين } فصار القوم قرودا تعاوى لها أذناب بعد ما كانوا رجالا ونساء.
وقال عطاء الخراساني: نودوا: يا أهل القرية، { كونوا قردة خاسئين } فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان، ألم ننهكم؟ فيقولون برؤوسهم، أي بلى.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين (5) حدثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة بالمصيصة، حدثنا محمد بن مسلم -يعني الطائفي-عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فواقا ثم هلكوا. ما كان للمسخ (6) نسل (7) .
وقال الضحاك، عن ابن عباس: فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، يقول: إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام، قال: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة أيام التي ذكرها الله (8) في كتابه، فمسخ [الله] (9) هؤلاء القوم في صورة القردة، وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء. ويحوله كما يشاء.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: { كونوا قردة خاسئين } قال: يعني
__________
(1) في أ: "وبه الثقة والإعانة".
(2) في جـ: "عن أبو" وهو خطأ.
(3) في جـ، ب: "بن عمر".
(4) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(5) في جـ، ط، ب: "الحسن".
(6) في جـ: "للمسيخ".
(7) تفسير ابن أبي حاتم (1/209).
(8) في جـ، ط، ب: "التي ذكر الله".
(9) زيادة من أ.
(1/289)
أذلة صاغرين. وروي عن مجاهد، وقتادة والربيع، وأبي مالك، نحوه.
وقال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم -يوم الجمعة-فخالفوا إلى (1) السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا به. فلما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره. وكانوا في قرية بين أيلة والطور، يقال لها: "مدين"؛ فحرم الله عليهم في السبت الحيتان: صيدها وأكلها. وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعا إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت ذهبن، فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا. حتى إذا كان يوم السبت أتين شرعا، حتى إذا ذهب السبت ذهبن، فكانوا كذلك، حتى إذا طال عليهم الأمد وقرموا إلى الحيتان، عمد رجل (2) منهم فأخذ حوتا سرا يوم السبت، فخزمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتدا في الساحل فأوثقه، ثم تركه. حتى إذا كان الغد جاء فأخذه، أي: إني لم آخذه في يوم السبت ثم انطلق به فأكله. حتى إذا كان يوم السبت الآخر، عاد لمثل ذلك، ووجد الناس ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان، ثم عثروا على صنيع (3) ذلك الرجل. قال: ففعلوا كما فعل، وصنعوا (4) سرا زمانا طويلا لم يعجل الله عليهم العقوبة (5) حتى صادوها علانية وباعوها في بالأسواق (6) . فقالت طائفة منهم من أهل البقية: ويحكم، اتقوا الله. ونهوهم عما يصنعون. فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما صنعوا: { لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم } لسخطنا أعمالهم { ولعلهم يتقون } [الأعراف : 164] .
قال ابن عباس: فبينما هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم وفقدوا الناس فلم يرونهم قال: فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنا! فانظروا ما هو. فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوها ليلا فغلقوها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم فأصبحوا فيها قردة، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال: يقول ابن عباس: فلولا ما ذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء لقلنا (7) أهلك الجميع منهم، قال: وهي القرية التي قال الله جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم: { واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر } الآية [الأعراف : 163] . وروى الضحاك عن ابن عباس نحوا من هذا.
قال (8) السدي في قوله تعالى: { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين } قال: فهم أهل "أيلة"، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت -وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا (9) في السبت شيئا-لم يبق في البحر حوت إلا خرج،
__________
(1) في جـ، ط: "إلي يوم".
(2) في جـ: "عمد رجلا" وهو خطا.
(3) في جـ: "على صنع".
(4) في جـ، ط، ب، أ، و: "وأكلوا".
(5) في جـ، ط، ب، أ، و: "بعقوبة".
(6) في جـ: "في الأسواق".
(7) في جـ، ط، ب، أ، و: "لقد".
(8) في جـ، ط، ب: "وقال".
(9) في جـ، ط: "أن تعمل".
(1/290)
حتى يخرجن خراطيمهن من الماء، فإذا كان يوم الأحد لزمن مقل البحر، فلم ير منهن شيء (1) حتى يكون يوم السبت، فذلك قوله تعالى: { واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم [كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ] (2) } . فاشتهى بعضهم السمك، فجعل الرجل يحفر الحفيرة، ويجعل لها نهرا إلى البحر، فإذا كان يوم السبت فتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج، فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه، فجعل الرجل يشوي السمك فيجد جاره ريحه فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جاره، حتى فشا فيهم أكل السمك، فقال لهم علماؤهم: ويحكم! إنما تصطادون يوم السبت، وهو لا يحل لكم، فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه. فقال العلماء (3) لا ولكنكم صدتموه يوم فتحكم (4) الماء فدخل، قال: وغلبوا أن ينتهوا. فقال بعض (5) الذين نهوهم لبعض: { لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا } يقول: لم تعظوهم، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: { معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } [الأعراف : 164] فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة. فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابا والمعتدون في السبت بابا، ولعنهم داود، عليه السلام، فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم، فخرج المسلمون ذات يوم، ولم يفتح الكفار بابهم، فلما أبطأوا عليهم تسور المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم، فذهبوا في الأرض، فذلك قول الله تعالى: { فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } [الأعراف :166 ] وذلك حين يقول: { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم } [المائدة : 78 ]. فهم القردة.
قلت: والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد، رحمه الله، من أن مسخهم إنما كان معنويا لا صوريا بل الصحيح أنه معنوي صوري، والله أعلم.
وقوله تعالى: { فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين } قال بعضهم: الضمير في { فجعلناها } عائد على القردة، وقيل: على الحيتان، وقيل: على العقوبة، وقيل: على القرية؛ حكاها ابن جرير.
والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي: فجعل الله هذه القرية، والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم { نكالا } أي: عاقبناهم عقوبة، فجعلناها (6) . عبرة، كما قال الله عن فرعون: { فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } [النازعات : 25].
__________
(1) في جـ: "شيئا" وهو خطأ.
(2) زيادة من جـ.
(3) في جـ، ط، ب، أ، و: "الفقهاء".
(4) في أ، و: "فتحتم له".
(5) في أ: "فقال بعضهم".
(6) في جـ، ط، ب، أ، و: "فجعلناهم".
(1/291)
وقوله: { لما بين يديها وما خلفها } أي من القرى. قال (1) ابن عباس: يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى. كما قال تعالى: { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون } [الأحقاف : 27] ، ومنه قوله تعالى: { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } الآية [الرعد : 41 ] ، على أحد الأقوال، فالمراد: لما بين يديها وما خلفها في المكان، كما قال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى. وكذا قال سعيد بن جبير { لما بين يديها وما خلفها } [قال] (2) من بحضرتها من الناس يومئذ.
وروي عن إسماعيل بن أبي خالد، وقتادة، وعطية العوفي: { فجعلناها نكالا لما بين يديها [وما خلفها] } (3) قال: ما [كان] (4) قبلها من الماضين في شأن السبت.
وقال أبو العالية والربيع وعطية: { وما خلفها } لما (5) بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم.
وكان هؤلاء يقولون: المراد بما بين يديها وما خلفها في الزمان.
وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن يكون أهل تلك القرية عبرة لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم؟ هذا لعل أحدا من الناس لا يقوله بعد تصوره، فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان، وهو ما حولها من القرى؛ كما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير، والله أعلم.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع عن أبي العالية: { فجعلناها نكالا لما بين يديها } أي: عقوبة لما خلا من ذنوبهم.
وقال ابن أبي حاتم (6) وروى عن عكرمة، ومجاهد، والسدي، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، نحو ذلك.
وحكى القرطبي، عن ابن عباس والسدي، والفراء، وابن عطية { لما بين يديها } بين ذنوب القوم { وما خلفها } لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب، وحكى فخر الدين ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المراد بما بين يديها وما خلفها: من تقدمها من القرى، بما عندهم من العلم بخبرها، بالكتب المتقدمة ومن بعدها.
الثاني: المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم.
__________
(1) في جـ، ط، ب، أ، و: "قاله".
(2) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(3) زيادة من جـ.
(4) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(5) في جـ، ط، ب، أ، و: "لمن".
(6) في أ: "وقال ابن أبي جرير".
(1/292)
وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67)
والثالث: أنه جعلها تعالى عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده، قال: وهذا قول الحسن. قلت: وأرجح الأقوال أن المراد بما بين يديها وما خلفها: من بحضرتها من القرى التي يبلغهم خبرها، وما حل بها، كما قال: { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون } [الأحقاف : 27] وقال تعالى: { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم } [الرعد : 31] ، وقال { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } [الأنبياء : 44 ] ، فجعلهم عبرة ونكالا لمن في زمانهم، وعبرة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: { وموعظة للمتقين }
وقوله تعالى: { وموعظة للمتقين } قال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: { وموعظة للمتقين } الذين من بعدهم إلى يوم القيامة.
وقال الحسن وقتادة: { وموعظة للمتقين } بعدهم، فيتقون نقمة الله، ويحذرونها.
وقال السدي، وعطية العوفي: { وموعظة للمتقين } قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
قلت: المراد بالموعظة هاهنا الزاجر، أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله، وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، كما قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو [عن أبي سلمة] (1) عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ترتكبوا ما ارتكب (2) اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (3) .
وهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح. والله أعلم.





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

قال ابن كثير/تفسير/ وأما الصابئون

 فقد اختلف فيهم؛ فقال سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن
(1/285)
مجاهد، قال: الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى، ليس لهم دين. وكذا رواه ابن أبي نجيح، عنه وروي عن عطاء وسعيد بن جبير نحو ذلك.
وقال أبو العالية والربيع بن أنس، والسدي، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، والضحاك [وإسحاق بن راهويه] (1) الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور.
[ولهذا قال أبو حنيفة وإسحاق: لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم] (2) .
وقال هشيم عن مطرف: كنا عند الحكم بن عتيبة (3) فحدثه رجل من أهل البصرة عن الحسن أنه كان يقول في الصابئين: إنهم كالمجوس، فقال الحكم: ألم أخبركم بذلك.
وقال عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن عبد الكريم: سمعت الحسن ذكر الصابئين، فقال: هم قوم يعبدون الملائكة.
[وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن الحسن قال: أخبر زياد أن الصابئين يصلون إلى القبلة ويصلون الخمس. قال: فأراد أن يضع عنهم الجزية. قال: فخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة] (4) .
وقال أبو جعفر الرازي: بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرؤون الزبور، ويصلون إلى القبلة.
وكذا قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: الصابئون قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون من كل سنة ثلاثين يوما ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات.
وسئل وهب بن منبه عن الصابئين، فقال: الذي يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرا.
وقال عبد الله بن وهب: قال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون أهل دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول: لا إله إلا الله، قال: ولم يؤمنوا برسول، فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: هؤلاء الصابئون، يشبهونهم بهم، يعني في قول: لا إله إلا الله.
وقال الخليل (5) هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون
__________
(1) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(2) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(3) في جـ: "عيينة".
(4) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(5) في أ: "الخدري".
(1/286)
وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (63) ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين (64)
أنهم على دين نوح، عليه السلام. وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن وابن أبي نجيح: أنهم قوم تركب دينهم بين اليهود والمجوس، ولا تؤكل ذبائحهم، قال ابن عباس: ولا تنكح نساؤهم. قال القرطبي: والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكره بعض العلماء أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم، وأنهم فاعلة؛ ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم، واختار فخر الدين الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب؛ بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء، أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها، قال: وهذا القول هو المنسوب إلى الكشرانيين الذين جاءهم إبراهيم الخليل، عليه السلام، رادا عليهم ومبطلا لقولهم.
وأظهر الأقوال، والله أعلم، قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبه: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه؛ ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئي، أي: أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك.
وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، والله أعلم.





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الخميس، 24 مارس 2016

قال ابن كثير/تفسير/ : ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة...

قال ابن كثير/تفسير/ : ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم ۚ وسنزيد المحسنين )وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق أنهم بدلوا أمر (5) الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجدا، فدخلوا يزحفون على أستاههم من قبل أستاههم رافعي رؤوسهم، وأمروا أن يقولوا: حطة، أي: احطط عنا ذنوبنا، فاستهزؤوا فقالوا: حنطة في شعرة (6) . وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم، وهو خروجهم عن طاعته؛ ولهذا قال: { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون }
وقال الضحاك عن ابن عباس: كل شيء في كتاب الله من "الرجز" يعني به العذاب.
وهكذا روي عن مجاهد، وأبي مالك، والسدي، والحسن، وقتادة، أنه العذاب. وقال أبو العالية: الرجز الغضب. وقال الشعبي: الرجز: إما الطاعون، وإما البرد. وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن (7) سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد -يعني ابن أبي وقاص-عن سعد بن مالك، وأسامة بن زيد، وخزيمة بن ثابت، رضي الله عنهم، قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطاعون رجز عذاب عذب (8) به من كان
__________
(1) في جـ: "شعرة".
(2) في جـ: "شعرة".
(3) في جـ: "منقوشة".
(4) في جـ: "يدخلون".
(5) في جـ: "بدلوا ما أمر".
(6) في جـ، أ: "شعيرة".
(7) في جـ: "حدثنا".
(8) في أ: "عذب الله".
(1/277)
وإذ استسقى موسى





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

قال ابن كثير/تفسير/: قوله: { وأنزلنا عليكم المن }

اختلفت عبارات المفسرين في المن: ما هو؟ فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كان المن ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاؤوا.
وقال مجاهد: المن: صمغة. وقال عكرمة: المن: شيء أنزله الله عليهم مثل الطل، شبه الرب الغليظ.
وقال السدي: قالوا: يا موسى، كيف لنا بما هاهنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على شجر (1) الزنجبيل.
وقال قتادة: كان المن ينزل عليهم في محلتهم (2) سقوط الثلج، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك؛ فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق، حتى إذا كان يوم سادسه، ليوم جمعته، أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشته ولا يطلبه لشيء، وهذا كله في البرية.
وقال الربيع بن أنس: المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه.
وقال وهب بن منبه -وسئل عن المن-فقال: خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النقي.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر وهو الشعبي، قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنه العسل.
ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت، حيث قال:
فرأى الله أنهم بمضيع ... لا بذي مزرع ولا مثمورا ...
فسناها عليهم غاديات ... وترى مزنهم خلايا وخورا ...
عسلا ناطفا وماء فراتا ... وحليبا ذا بهجة مرمورا (3)
__________
(1) في ط: "الشجرة"، وفي ب: "الشجر".
(2) في أ: "في نخلتهم".
(3) الأبيات في تفسير الطبري (2/94، 95).
(1/267)
فالناطف: هو السائل، والحليب المرمور: الصافي منه.
والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن، فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر، والله أعلم، أنه (1) كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب (2) ، وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد، فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا، وإن ركب مع غيره صار نوعا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده؛ والدليل على ذلك قول البخاري:
حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عبد الملك، عن عمر بن حريث (3) عن سعيد (4) بن زيد، رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين".
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك، وهو ابن عمير، به (5) .
وأخرجه الجماعة في كتبهم، إلا أبا داود، من طرق عن عبد الملك، وهو ابن عمير، به (6) . وقال الترمذي: حسن صحيح، ورواه البخاري ومسلم والنسائي من رواية الحكم، عن الحسن العرني، عن عمرو بن حريث، به (7) .
وقال الترمذي: حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ومحمود بن غيلان، قالا حدثنا سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين" (8) .
تفرد بإخراجه الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن عمرو، وإلا من حديث سعيد (9) بن عامر، عنه، وفي الباب عن سعيد بن زيد، وأبي سعيد وجابر.
كذا قال، وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من طريق آخر، عن أبي هريرة، فقال: حدثنا أحمد بن الحسن (10) بن أحمد البصري، حدثنا أسلم بن سهل، حدثنا القاسم بن عيسى، حدثنا طلحة بن عبد الرحمن، عن قتادة (11) عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وطلحة بن عبد الرحمن هذا سلمي واسطي، يكنى بأبي
__________
(1) في جـ: "أن".
(2) في جـ: "أو شراب".
(3) في جـ: "حوشب".
(4) في جـ: "سفيان".
(5) صحيح البخاري برقم (4478) والمسند (1/187).
(6) صحيح البخاري برقم (4639) وصحيح مسلم برقم (2049) وسنن الترمذي برقم (2067) وسنن النسائي الكبرى برقم (6667).
(7) صحيح البخاري برقم (5708) وصحيح مسلم برقم (2049) وسنن النسائي الكبرى برقم (10988).
(8) سنن الترمذي برقم (3013).
(9) في جـ: "محمد".
(10) في جـ، أ، و: "الحسين".
(11) في جـ: "عبادة".
(1/268)
محمد، وقيل: أبو سليمان المؤدب قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها (1) .
ثم قال [الترمذي] (2) حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة: أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: الكمأة جدري الأرض، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم".
وهذا الحديث قد رواه النسائي، عن محمد بن بشار، به (3) . وعنه، عن غندر، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، به (4) . وعن محمد بن بشار، عن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن شهر بن حوشب. بقصة الكمأة فقط (5) .
وروى النسائي -أيضا-وابن ماجه من حديث محمد بن بشار، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد، عن مطر الوراق، عن شهر: بقصة العجوة عند النسائي، وبالقصتين عند ابن ماجه (6) .
وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة فإنه لم يسمعه (7) منه، بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه، عن علي بن الحسين الدرهمي (8) عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول (9) جدري الأرض، فقال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (10) .
وروي عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد وجابر، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري، قالا قال
__________
(1) الكامل لابن عدي (4/114).
(2) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(3) هو في سنن النسائي الكبرى برقم (6671) عن نصير بن الفرج، عن معاذ بن هشام به، ولم أقع عليه عن محمد بن بشار، وقد ذكره المزي عن محمد بن بشار في تحفة الأشراف (10/112).
(4) سنن النسائي الكبرى برقم (6673).
(5) سنن النسائي الكبرى برقم (6672).
(6) سنن ابن ماجة برقم (3400).
(7) في جـ: "لم يسمع".
(8) في جـ: "الدهرمي".
(9) في جـ: "وبعضهم يذكرون".
(10) سنن النسائي الكبرى برقم (6670).
(1/269)
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم" (1) .
قال (2) النسائي في الوليمة أيضا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد وجابر، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (3) . ثم رواه -أيضا-، وابن ماجه من طرق، عن الأعمش، عن أبي بشر، عن شهر، عنهما، به (4) .
وقد رويا (5) -أعني النسائي (6) وابن ماجه-من حديث سعيد بن مسلم (7) كلاهما عن الأعمش، عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، زاد النسائي: [وحديث] (8) جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (9) .
ورواه ابن مردويه، عن أحمد بن عثمان، عن عباس الدوري، عن لاحق بن صواب (10) عن عمار بن رزيق (11) عن الأعمش، كابن ماجه.
وقال ابن مردويه أيضا: حدثنا أحمد بن عثمان، حدثنا عباس الدوري، حدثنا الحسن (12) بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كمآت، فقال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين".
وأخرجه النسائي، عن عمرو بن منصور، عن الحسن بن الربيع (13) ثم [رواه] (14) ابن مردويه. رواه أيضا عن عبد الله بن إسحاق عن الحسن بن سلام، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان (15) عن الأعمش به، وكذا رواه النسائي عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عبيد الله بن موسى [به] (16) (17) .
وقد روى من حديث أنس بن مالك، رضي الله عنه كما قال ابن مردويه:
حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا حمدون بن أحمد، حدثنا حوثرة بن أشرس، حدثنا حماد، عن شعيب بن الحبحاب (18) عن أنس: أن أصحاب رسول الله (19) صلى الله عليه وسلم تدارؤوا (20) في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فقال بعضهم: نحسبه الكمأة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم" (21) .
__________
(1) المسند (3/48).
(2) في جـ، ط: "وقال".
(3) لم أقع عليه في المطبوع من سنن النسائي الكبرى.
(4) سنن ابن ماجة برقم (3453) ولم أقع عليه في سنن النسائي الكبرى المطبوعة.
(5) في جـ: "وقد روياه".
(6) في جـ، و: "النسائي من حديث جرير".
(7) في جـ: "مسلمة".
(8) زيادة من جـ، و.
(9) سنن النسائي الكبرى برقم (6676، 6677) وسنن ابن ماجة برقم (3453) لكن وقع في سنن النسائي عن جرير عن الأعمش والله أعلم.
(10) في جـ: "صوان".
(11) في جـ: "زريق".
(12) في جـ: "الحسين".
(13) لم أقع عليه في المطبوع من سنن النسائي الكبرى.
(14) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(15) في جـ: "سفيان".
(16) زيادة من جـ، ط، أ.
(17) سنن النسائي الكبرى برقم (6678).
(18) في جـ: "ابن الحجاب"، وفي أ: "ابن الحجاج".
(19) في جـ: "أصحاب النبي".
(20) ف جـ: "تذاكروا".
(21) ورواه ابن عدي في الكامل (2/370) من طريق حسان بن سياه عن ثابت عن أنس بنحوه.
(1/270)
وهذا الحديث محفوظ أصله من رواية حماد بن سلمة. وقد روى الترمذي والنسائي من طريقه شيئا من هذا، والله أعلم (1) (2) .
[وقد] (3) روي عن شهر، عن ابن عباس، كما رواه النسائي -أيضا-في الوليمة، عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد، عن عبد الله بن عون الخراز، عن أبي عبيدة الحداد، عن عبد الجليل بن عطية، عن شهر، عن عبد الله بن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (4) .
فقد اختلف -كما ترى فيه-على شهر بن حوشب، ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها، وقد سمعه من بعض الصحابة وبلغه عن بعضهم، فإن الأسانيد إليه جيدة، وهو لا يتعمد الكذب، وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تقدم من رواية سعيد بن زيد.
وأما السلوى فقال ع





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]