قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حتى قال: هذه منسوخة بقوله: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [التوبة: 5] وفي هذا نظر؛ لأن قوله: { الذين يقاتلونكم } إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما
__________
(1) في جـ: "فاجر".
(2) زيادة من جـ، أ.
(3) في أ: "فأنزل".
(4) زيادة من جـ.
(5) في جـ، أ: "فيجازيكم".
(1/523)
يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } [التوبة: 36]؛ ولهذا قال في هذه الآية: { واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } أي: لتكن همتكم منبعثة على قتالهم، كما أن همتهم منبعثة على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها، قصاصا.
وقد حكى عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أن أول آية نزلت في القتال بعد الهجرة، { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } الآية [الحج: 39] وهو الأشهر وبه ورد الحديث.
وقوله: { ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } أي: قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي -كما قاله الحسن البصري -من المثلة، والغلول، وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومقاتل بن حيان، وغيرهم. ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، ولا أصحاب الصوامع". رواه الإمام أحمد (1) .
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا بسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع". رواه الإمام أحمد (2) .
ولأبي داود، عن أنس مرفوعا، نحوه (3) . وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان (4) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي ابن حراش، قال: سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثالا واحدا، وثلاثة، وخمسة، وسبعة، وتسعة، وأحد عشر، فضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها مثلا وترك سائرها، قال: "إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة، قاتلهم أهل تجبر وعداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه" (5) .
هذا حديث حسن الإسناد. ومعناه: أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء، فاعتدوا عليهم واستعملوهم فيما لا يليق بهم، أسخطوا الله عليهم بسبب (6) هذا الاعتداء. والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا.
__________
(1) صحيح مسلم برقم (1731) والمسند (5/352).
(2) المسند (1/300).
(3) سنن أبي داود برقم (2614).
(4) صحيح البخاري برقم (3015) وصحيح مسلم برقم (1744).
(5) المسند (5/407).
(6) في جـ: "لسبب".
(1/524)
ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال، نبه تعالى على أن ما هم مشتملون (1) عليه من
__________
(1) في جـ: "مقيمون".
(1/524)
الكفر بالله والشرك به والصد عن سبيله أبلغ وأشد وأعظم وأطم من القتل؛ ولهذا قال: { والفتنة أشد من القتل } قال أبو مالك: أي: ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل.
وقال أبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع ابن أنس في قوله: { والفتنة أشد من القتل } يقول: الشرك أشد من القتل.
وقوله: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } كما جاء في الصحيحين: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه، حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه. فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم" (1) .
يعني بذلك -صلوات الله وسلامه عليه -قتاله أهلها يوم فتح مكة، فإنه فتحها عنوة، وقتلت رجال منهم عند الخندمة، وقيل: صلحا؛ لقوله: من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
[وقد حكى القرطبي: أن النهي عن القتال عند المسجد الحرام منسوخ. قال قتادة: نسخها قوله: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم } [التوبة: 5]. قال مقاتل بن حيان: نسخها قوله: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وفي هذا نظر] (2) .
وقوله: { حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين } يقول تعالى: لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدؤوكم بالقتال فيه، فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعا للصيال (3) كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم } [الفتح: 24]، ، وقال: { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } [الفتح: 25].
وقوله: { فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } أي: فإن تركوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام والتوبة، فإن الله [غفور رحيم] (4) يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله، فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه.
ثم أمر تعالى بقتال الكفار: { حتى لا تكون فتنة } أي: شرك. قاله ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، وزيد بن أسلم.
{ ويكون الدين لله } أي: يكون دين الله هو الظاهر [العالي] (5) على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيحين: عن أبي موسى الأشعري، قال: سئل النبي (6) صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو
__________
(1) صحيح البخاري برقم (1834) وصحيح مسلم برقم (1353) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) زيادة من جـ، أ.
(3) في أ: "للقتال".
(4) زيادة من جـ.
(5) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(6) في جـ، ط، : "سئل رسول الله".
(1/525)
الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194)
في سبيل الله" (1) . وفي الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (2) وقوله: { فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين } يقول: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين، فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد: لا يقاتل إلا من قاتل. أو يكون تقديره؛ فإن انتهوا فقد تخلصوا من الظلم، وهو الشرك. فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان هاهنا المعاقبة والمقاتلة، كقوله: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وقوله: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } [الشورى: 40]، { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } [النحل: 126]. ولهذا قال عكرمة وقتادة: الظالم: الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله.
وقال البخاري: قوله: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة [ويكون الدين لله] (3) } الآية: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا (4) : إن الناس صنعوا (5) وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرم دم أخي. قالا ألم يقل الله: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } ؟ قال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله. زاد عثمان ابن صالح (6) عن ابن وهب قال: أخبرني فلان وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو المعافري (7) أن بكير بن عبد الله حدثه، عن نافع: أن رجلا أتى ابن عمر فقال [له] (8) يا أبا عبد الرحمن، ما حملك على أن تحج عاما وتعتمر (9) عاما، وتترك الجهاد في سبيل الله، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ فقال: يا ابن أخي، بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت. قال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } [الحجرات: 9]، { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } قال: فعلنا على عهد النبي (10) صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قليلا وكان الرجل يفتن في دينه: إما قتلوه أو عذبوه (11) حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا (12) عنه، وأما علي فابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، وأشار بيده فقال: هذا بيته حيث ترون (13) .
{ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) }
__________
(1) صحيح البخاري برقم (2810 ، 3126) وصحيح مسلم برقم (1904).
(2) صحيح البخاري برقم (25) وصحيح مسلم برقم (22) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(3) زيادة من جـ، ط.
(4) في ط: "فقالوا".
(5) في و: "ضيعوا".
(6) في جـ: "عثمان بن أبي صالح".
(7) في أ: "المغافري".
(8) زيادة من جـ، ط، أ.
(9) في و: "وتقيم".
(10) في جـ: "رسول الله".
(11) في أ، و: "أو يعذبوه".
(12) في جـ: "يعفو".
(13) صحيح البخاري برقم (4513-4515).
(1/526)
قال عكرمة، عن ابن عباس، والضحاك، والسدي، ومقسم، والربيع بن أنس، وعطاء وغيرهم: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا في سنة ست من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة، وهو شهر حرام، حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية، هو ومن كان [معه] (1) من المسلمين، وأقصه الله منهم، فنزلت في ذلك هذه الآية: { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص }
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى ويغزوا (2) فإذا حضره أقام حتى ينسلخ (3) .
هذا إسناد صحيح؛ ولهذا لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم -وهو مخيم بالحديبية -أن عثمان قد قتل -وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين -بايع أصحابه، وكانوا ألفا وأربعمائة تحت الشجرة على قتال المشركين، فلما بلغه أن عثمان لم يقتل كف عن ذلك، وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان.
وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين وتحصن فلهم بالطائف، عدل إليها، فحاصرها ودخل ذو القعدة وهو محاصرها بالمنجنيق، واستمر عليها إلى كمال أربعين يوما، كما ثبت في الصحيحين عن أنس (4) . فلما كثر القتل في أصحابه انصرف عنها ولم تفتح، ثم كر راجعا إلى مكة واعتمر من الجعرانه، حيث قسم غنائم حنين. وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضا عام ثمان، صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } أمر بالعدل حتى في المشركين: كما قال: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } [النحل: 126]. وقال: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } [الشورى: 40] .
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن قوله: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد، ثم نسخ بآية الجهاد (5) بالمدينة. وقد رد هذا القول ابن جرير، وقال: بل [هذه] (6) الآية مدنية بعد عمرة القضية، وعزا ذلك إلى مجاهد، رحمه الله.
وقد أطلق هاهنا الاعتداء على الاقتصاص، من باب المقابلة، كما قال عمرو بن أم كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا ...
وقال ابن دريد:
__________
(1) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(2) في جـ: "إلا يغزوا الغزو"، وفي أ: "إلا أن يقر ويقروا".
(3) المسند (3/345).
(4) الحديث بهذا المعنى في صحيح مسلم برقم (1059).
(5) في جـ، ط، أ، و: "بآية القتال".
(6) زيادة من جـ، ط، أ.
(1/527)
وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (195)
لي استواء إن موالى استوا ... لي التواء إن تعادى التوا ...
وقال غيره:
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج ...
ومن رام تقويمي فإني مقوم ... ومن رام تعويجي فإني معوج ...
وقوله: { واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين } أمر لهم بطاعة الله وتقواه، وإخبار بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة.
{ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (195) }
قال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة عن سليمان قال: سمعت أبا وائل، عن حذيفة: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال: نزلت في النفقة (1) .
ورواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن أبي معاوية عن الأعمش، به مثله. قال: وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك.
وقال الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نجيا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره، حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما. فنزل (2) فينا: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } فكانت التهلكة [في] (3) الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد.
رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وعبد بن حميد في تفسيره، وابن أبي حاتم، وابن جرير (4) وابن مردويه، والحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب، به (5) .
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران: كنا (6) بالقسطنطينية -وعلى أهل مصر عقبة بن عامر؛
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4516).
(2) في جـ: "فنقيم فيهم فنزلت".
(3) زيادة من و.
(4) في جـ: "وابن جرير وابن أبي حاتم".
(5) سنن أبي داود برقم (2512) وسنن الترمذي برقم (2972) وسنن النسائي الكبرى برقم (11029) وتفسير الطبري (3/590) وصحيح ابن حبان برقم (1667) "موارد" والمستدرك (2/275).
(6) في جـ: "إنا كنا".
(1/528)
وعلى أهل الشام رجل، يريد بن فضالة بن عبيد -فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم: ثم خرج إلينا فصاح الناس إليه فقالوا: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: يا أيها الناس، إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، وإنا لما أعز الله دينه، وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها. فأنزل الله هذه الآية.
وقال أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال رجل للبراء بن عازب: إن حملت على العدو وحدي فقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا قال الله لرسوله: { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك } [النساء: 84]، إنما هذا في النفقة. رواه ابن مردويه وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، به. وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (1) . ورواه الثوري، وقيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن البراء -فذكره. وقال بعد قوله: { لا تكلف إلا نفسك } ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب، فيلقي بيده إلى التهلكة ولا يتوب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح -كاتب الليث -حدثني الليث، حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره: أنهم حاصروا دمشق، فانطلق رجل من أزد شنوءة، فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فرده، وقال عمرو: قال الله: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }
وقال عطاء بن السائب (2) عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ليس (3) ذلك في القتال، إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله. ولا تلق بيدك إلى التهلكة.
وقال حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن الضحاك بن أبي جبيرة (4) قال: كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة، فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله فنزلت: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }
وقال الحسن البصري: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال: هو البخل.
وقال سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير في قوله: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } أن يذنب الرجل الذنب، فيقول: لا يغفر لي، فأنزل الله: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } رواه ابن مردويه.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبيدة السلماني، والحسن، وابن سيرين، وأبي قلابة -نحو ذلك. يعني: نحو قول النعمان بن بشير: إنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له، فيلقي بيده إلى التهلكة، أي: يستكثر من الذنوب فيهلك. ولهذا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:
__________
(1) المستدرك (2/275).
(2) في أ: "عطاء بن أبي السائب".
(3) في جـ: "وليس".
(4) في أ: "بن أبي صبرة".
(1/529)
وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب (196)
التهلكة: عذاب الله.
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعا: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي: أنه كان يقول في هذه الآية: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال: كان القوم في سبيل الله، فيتزود الرجل. فكان أفضل زادا من الآخر، أنفق البائس (1) من زاده، حتى لا يبقى من زاده شيء، أحب أن يواسي صاحبه، فأنزل الله: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } (2) .
وقال (3) ابن وهب أيضا: أخبرني عبد الله بن عياش (4) عن زيد بن أسلم في قول الله: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } وذلك أن رجالا كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بغير نفقة، فإما يقطع بهم، وإما كانوا عيالا فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله، ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع أو العطش أو من المشي . وقال لمن بيده فضل: { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين }
ومضمون الآية: الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة (5) صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم، والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار إن (6) لزمه واعتاده. ثم عطف بالأمر بالإحسان، وهو أعلى مقامات الطاعة، فقال: { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين }
{ وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب (196) }
المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]