السبت، 30 أبريل 2016

قال ابن كثير/تفسير/{ ما ننسخ من آية }:

 قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: { ما ننسخ من آية } ما نبدل من آية.
وقال ابن جريج، عن مجاهد: { ما ننسخ من آية } أي: ما نمح من آية.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { ما ننسخ من آية } قال: نثبت خطها ونبدل حكمها. حدث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية، ومحمد بن كعب القرظي، نحو ذلك.
وقال الضحاك: { ما ننسخ من آية } ما ننسك. وقال عطاء: أما { ما ننسخ } فما نترك (1) من القرآن. وقال ابن أبي حاتم: يعني: ترك فلم ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال السدي: { ما ننسخ من آية } نسخها: قبضها. وقال ابن أبي حاتم: يعني: قبضها: رفعها، مثل قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. وقوله: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا".
وقال ابن جرير: { ما ننسخ من آية } ما ينقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يحول الحلال حراما والحرام حلالا والمباح محظورا، والمحظور مباحا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ من نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة أخرى إلى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره،
__________
(1) في أ: "فما ترك".
(1/375)
إنما هو تحويله ونقل عبادة إلى غيرها. وسواء نسخ حكمها أو خطها، إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة. وأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد النسخ، والأمر في ذلك قريب؛ لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء ولخص (1) بعضهم أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر. فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل، وعكسه، والنسخ لا إلى بدل. وأما تفاصيل أحكام النسخ وذكر أنواعه وشروطه فمبسوط في فن أصول الفقه.
وقال الطبراني: حدثنا أبو شبيل (2) عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها مما نسخ وأنسي، فالهوا عنها". فكان الزهري يقرؤها: { ما ننسخ من آية أو ننسها } (3) بضم النون خفيفة (4) . سليمان بن أرقم ضعيف.
[وقد روى أبو بكر بن الأنباري، عن أبيه، عن نصر بن داود، عن أبي عبيد، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس وعبيد وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف مثله مرفوعا، ذكره القرطبي (5) ] (6) .
وقوله تعالى: { أو ننسها } (7) فقرئ على وجهين: "ننسأها وننسها". فأما من قرأها: "ننسأها" -بفتح النون والهمزة بعد السين-فمعناه: نؤخرها. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { ما ننسخ من آية أو ننسئها } يقول: ما نبدل من آية، أو نتركها لا نبدلها.
وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: { أو ننسئها } نثبت خطها ونبدل حكمها. وقال (8) عبيد بن عمير، ومجاهد، وعطاء: { أو ننسئها } نؤخرها ونرجئها. وقال عطية العوفي: { أو ننسئها } نؤخرها فلا ننسخها. وقال السدي مثله أيضا، وكذا [قال] (9) الربيع بن أنس. وقال الضحاك: { ما ننسخ من آية أو ننسئها } يعني: الناسخ من المنسوخ. وقال أبو العالية: { ما ننسخ من آية أو ننسئها } أي: نؤخرها عندنا.
وقال ابن حاتم: حدثنا عبيد الله بن إسماعيل البغدادي، حدثنا خلف، حدثنا الخفاف، عن إسماعيل -يعني ابن مسلم-عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
__________
(1) في ط: "ويخص".
(2) في هـ: "أبو سنبل" وهو خطأ.
(3) في ط: "أو ننسيها".
(4) المعجم الكبير (12/288).
(5) ورواه الطحاوى في مشكل الآثار برقم (2034) من طريق ابن وهب، عن يونس عن ابن شهاب، عن أبي أمامة به، وبرقم (2035) من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن أبي أمامة به.
(6) زيادة من جـ، ط.
(7) في ط، ب، أ: "أو ننساها".
(8) في جـ، ط، أ: "وكما قال".
(9) زيادة من أ.
(1/376)
خطبنا عمر، رضي الله عنه، فقال: يقول الله عز وجل: { ما ننسخ من آية أو ننسها } أي: نؤخرها.
وأما على قراءة: { أو ننسها } فقال عبد الرزاق، عن قتادة في قوله: { ما ننسخ من آية أو ننسها } قال: كان الله تعالى ينسي نبيه ما يشاء وينسخ ما يشاء.
وقال ابن جرير: حدثنا سواد (1) بن عبد الله، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله: { أو ننسها } (2) قال: إن نبيكم صلى الله عليه وسلم أقرئ قرآنا ثم نسيه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا محمد بن الزبير الحراني، عن الحجاج -يعني الجزري (3) -عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان مما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله، عز وجل: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها }
قال أبو حاتم: قال لي أبو جعفر بن نفيل: ليس هو الحجاج بن أرطاة، هو شيخ لنا جزري.
وقال عبيد بن عمير: { أو ننسها } نرفعها من عندكم.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: " ما ننسخ من آية أو تنسها" قال: قلت له: فإن سعيد بن المسيب يقرأ: "أو تنسأها". قال: فقال (4) سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، قال الله، جل ثناؤه: { سنقرئك فلا تنسى } [الأعلى: 6]{ واذكر ربك إذا نسيت } [الكهف: 24]. (5) .
وكذا رواه عبد الرزاق، عن هشيم (6) وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث أبي حاتم الرازي، عن آدم، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، به. وقال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن محمد بن كعب، وقتادة وعكرمة، نحو قول سعيد.
وقال الإمام أحمد: أخبرنا يحيى، حدثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر: علي أقضانا، وأبي أقرؤنا، وإنا لندع بعض ما يقول أبي، وأبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، فلن أدعه لشيء. والله يقول: { ما ننسخ من آية أو ننسئها نأت بخير منها أو مثلها } .
قال البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر: أقرؤنا أبي، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبي، وذلك أن
__________
(1) في جـ، ط، ب، أ، و: "حدثنا سوار".
(2) في جـ، ب، أ: "أو ننسئها".
(3) في جـ: "الجوزي".
(4) في جـ: "فقال قال".
(5) تفسير الطبري (2/475).
(6) تفسير عبد الرزاق (1/75).
(1/377)
أبيا يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله: { ما ننسخ من آية أو ننسها } (1)
وقوله: { نأت بخير منها أو مثلها } أي: في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { نأت بخير منها } يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم.
وقال أبو العالية: { ما ننسخ من آية } فلا نعمل بها، { أو ننسئها } أي: نرجئها (2) عندنا، نأت بها أو نظيرها.
وقال السدي: { نأت بخير منها أو مثلها } يقول: نأت بخير من الذي نسخناه، أو مثل الذي تركناه.
وقال قتادة: { نأت بخير منها أو مثلها } يقول: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.
وقوله: { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير* ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه. ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى.. فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا. وامتثال ما أمروا. وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر (3) اليهود وتزييف شبهتهم -لعنهم الله (4) -في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا، وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا.
قال الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله: فتأويل الآية: ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء، وأقر فيهما ما أشاء.
ثم قال: وهذا الخبر وإن كان من الله تعالى خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد، عليهما الصلاة
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4481).
(2) في جـ: "نؤخرها"، وفي أ: "نركثها".
(3) في أ: "لكفار".
(4) في أ: "لعنة الله عليهم".
(1/378)
والسلام، لمجيئهما (1) بما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه.
[وأمر إبراهيم، عليه السلام، بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بنى إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل (2) ].
قلت: الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ، إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى؛ لأنه يحكم ما يشاء كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حل بعضها، وكان نكاح الأختين مباح لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها. وأشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه. وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية، فلا تصرف الدلالة في المعنى، إذ هو المقصود، وكما في كتبهم مشهورا من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته، عليه والسلام، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته. وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مغياة إلى بعثته، عليه السلام، فلا يسمى ذلك نسخا كقوله: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } [البقرة: 187] ، وقيل: إنها مطلقة، وإن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسختها، فعلى كل تقدير فوجوب اتباعه معين (3) لأنه جاء بكتاب هو آخر (4) الكتب عهدا بالله تبارك وتعالى.
ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ، ردا على اليهود، عليهم لعائن الله، حيث قال تعالى: { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير* ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } الآية، فكما أن له الملك بلا منازع، فكذلك له الحكم بما يشاء، { ألا له الخلق والأمر } [الأعراف: 54] وقرئ في سورة آل عمران، التي نزل صدرها خطابا مع أهل الكتاب، وقوع النسخ عند اليهود في وقوله تعالى: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } الآية [آل عمران: 93] كما سيأتي تفسيرها، والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحكم البالغة، وكلهم قال بوقوعه. وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن، وقوله هذا ضعيف مردود مرذول. وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشرا بعد الحول لم يجب على ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة، عن بيت المقدس لم يجب
__________
(1) في جـ، ط: "بمجيئها".
(2) زيادة من جـ، ط.
(3) في ط، ب: "متعين".
(4) في ط: "هو أحدث".
(1/379)
أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108)
بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، والله أعلم.
{ أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) }
نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة، عن كثرة سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشي





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الخميس، 28 أبريل 2016

قال ابن كثير/تفسير/ : وقوله تعالى: { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم }

 يبين بذلك تعالى شدة عداوة (1) الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، الذين حذر تعالى من مشابهتهم للمؤمنين؛ ليقطع المودة بينهم وبينهم. وينبه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل، الذي شرعه لنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يقول تعالى: { والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم }
__________
(1) في أ: "شدة عداوته".
(1/375)
ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير (106) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (107)
{ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير (106) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (107) }
قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: { ما ننسخ من آية } ما نبدل من آية.
وقال ابن جريج، عن





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الجمعة، 22 أبريل 2016

قال ابن كثير : { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم (104) ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105) }


نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص -عليهم لعائن الله-فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا يقولون: راعنا. يورون (2) بالرعونة، كما قال تعالى: { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } [النساء: 46] وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون: السام عليكم. والسام هو: الموت. ولهذا (3) أمرنا أن نرد عليهم بـ "وعليكم". وإنما يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا.
والغرض: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا. فقال: { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم }
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، حدثنا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له. وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم".
وروى أبو داود، عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به (4) "من تشبه بقوم فهو منهم"
__________
(1) رواه أبو داود في السنن برقم (5011) والترمذي في السنن برقم (2845) من حديث ابن عباس رضي الله عنه، ورواه أبو داود في السنن برقم (5012) من حديث بريده رضي الله عنه.
(2) في جـ، ط، ب: "ويورون"، وفي أ: "ويرون".
(3) في جـ: "ولقد".
(4) المسند (2/92) وسنن أبي دواد برقم (4031).
(1/373)
ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد، على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم وأعيادهم، وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نقرر عليها.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مسعر، عن معن وعون -أو أحدهما-أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود، فقال: اعهد إلي. فقال: إذا سمعت الله يقول { يا أيها الذين آمنوا } فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه (1) .
وقال الأعمش، عن خيثمة، قال: ما تقرؤون في القرآن: { يا أيها الذين آمنوا } فإنه في التوراة: "يا أيها المساكين".
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: { راعنا } أي: أرعنا (2) سمعك.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم أرعنا سمعك. وإنما { راعنا } كقولك: عاطنا.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية، وأبي مالك، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة، نحو ذلك.
وقال مجاهد: { لا تقولوا راعنا } لا تقولوا خلافا. وفي رواية: لا تقولوا: اسمع منا ونسمع منك.
وقال عطاء: { لا تقولوا راعنا } كانت لغة تقولها الأنصار فنهى الله عنها.
وقال الحسن: { لا تقولوا راعنا } قال: الراعن من القول السخري منه. نهاهم الله أن يسخروا من قول محمد صلى الله عليه وسلم، وما يدعوهم إليه من الإسلام. وكذا روي عن ابن جريج أنه قال مثله.
وقال أبو صخر: { لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا } قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فيقول: أرعنا (3) سمعك. فأعظم الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقال ذلك له (4) .
وقال السدي: كان رجل من اليهود من بني قينقاع، يدعى رفاعة بن زيد (5) يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك واسمع غير مسمع. وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع: غير صاغر. وهي كالتي (6) في سورة النساء. فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا: راعنا.
__________
(1) تفسير ابن أبي حاتم (1/317).
(2) في أ: "أى راعنا".
(3) في أ: "فيقول راعنا".
(4) في جـ: "أن يقال له ذلك".
(5) في جـ: "بن يزيد".
(6) في جـ: "هي التي".
(1/374)
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، بنحو من هذا.
قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه صلى الله عليه وسلم: راعنا؛ لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولها لنبيه صلى الله عليه وسلم، نظير الذي ذكر عن النبي قال: "لا تقولوا للعنب الكرم، ولكن قولوا: الحبلة. ولا تقولوا: عبدي، ولكن قولوا: فتاي". وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: { ما يود





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

السبت، 16 أبريل 2016

تفسير/ قال ابن كثير : وقوله تعالى: { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر }

 قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس (8) بن عباد، عن ابن عباس، قال: فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر، وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر (9) . [قال] (10) فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلمه، فإذا تعلم خرج منه النور، فنظر (11) إليه ساطعا في السماء، فيقول: يا حسرتاه!
__________
(1) في ط، ب، أ، و: "ديناوند".
(2) في أ: "ما قاله".
(3) تفسير ابن أبي حاتم (1/ 304)، وما بين المعقوفين ليس في تفسير ابن أبي حاتم.
(4) سنن أبي داود برقم (490، 491).
(5) في جـ، ط، ب، أ، و: "وسكت عليه".
(6) في ب: "أوليانوس".
(7) في ب، أ، و: "ثنتان".
(8) في أ: "عن بشر".
(9) في ب: "أن الكفر من السحر".
(10) زيادة من جـ، أ، و.
(11) في أ: "فينظر".
(1/362)
يا ويله! ماذا أصنع (1) ؟.
وعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: نعم، أنزل الملكان بالسحر، ليعلما (2) الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدا حتى يقولا { إنما نحن فتنة فلا تكفر } رواه ابن أبي حاتم، وقال قتادة: كان أخذ عليهما ألا يعلما أحدا حتى يقولا { إنما نحن فتنة فلا تكفر } -أي: بلاء ابتلينا به-{ فلا تكفر }
وقال [قتادة و] (3) السدي: إذا أتاهما إنسان يريد السحر، وعظاه، وقالا له: لا تكفر، إنما نحن فتنة. فإذا أبى قالا له: ائت هذا الرماد، فبل عليه. فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان. وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكل شيء [منه] (4) . وذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر، فذلك قول الله تعالى: { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } الآية.
وقال سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج في هذه الآية: لا يجترئ على السحر إلا كافر.
وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار، ومنه قول الشاعر:
وقد فتن الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان شرا طويلا (5)
وكذلك (6) قوله تعالى إخبارا عن موسى، عليه السلام، حيث قال: { إن هي إلا فتنتك } أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك { تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء } [الأعراف: 155] (7) .
وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، ويستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله، قال: من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا إسناد جيد (8) وله شواهد أخر.
وقوله تعالى: { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون فيه من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف. وهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في صحيحه، من حديث الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله، رضي الله
__________
(1) في أ، و: "ماذا صنع".
(2) في أ، و: "ليعلموا" وهو خطأ.
(3) زيادة من و.
(4) زيادة من أ، و.
(5) البيت في تفسير الطبري (2/ 444) وانظر هناك الاختلاف في قائله.
(6) في ط، ب، أ، و: "وكذا".
(7) في جـ، ط، ب، أ، و: "وتهدي من تشاء الآية".
(8) في جـ، ط، ب، أ، و: "إسناد صحيح".
(1/363)
عنه (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إن الشيطان ليضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئا. ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله (2) قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه، ويقول: نعم أنت (3) .
وسبب التفرق بين الزوجين بالسحر: ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق أو نحو ذلك أو عقد أو بغضه، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة.
والمرء عبارة عن الرجل، وتأنيثه امرأة، ويثنى كل منهما ولا يجمعان، والله أعلم.
وقوله تعالى: { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله. وقال محمد بن إسحاق إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد. وقال الحسن البصري: { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } قال: نعم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى، وفي رواية عن الحسن أنه قال: لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه.
وقوله تعالى: { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم } أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره.
{ ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق } أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول (4) صلى الله عليه وسلم لمن فعل فعلهم ذلك، أنه ما له في الآخرة من خلاق.
قال ابن عباس ومجاهد والسدي: من نصيب. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ما له في الآخرة من جهة عند الله (5) وقال: وقال الحسن: ليس له دين.
وقال سعد (6) عن قتادة: { ما له في الآخرة من خلاق } قال: ولقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة.
وقوله تعالى: { ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون* ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون } يقول تعالى: { ولبئس } البديل ما استبدلوا به من السحر عوضا عن الإيمان، ومتابعة الرسل (7) لو كان لهم علم بما وعظوا به { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير } أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم، لكان مثوبة الله على ذلك خيرا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به، كما قال تعالى: { وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون } [القصص: 80] .
__________
(1) في ب: "عنهما".
(2) في جـ: "وبين زوجه".
(3) صحيح مسلم برقم (2813).
(4) في أ: "متابعة الرسل".
(5) في أ: "ما له في الآخرة من خلاق".
(6) في ط، ب، و: "سعيد".
(7) في أ: "الرسول".
(1/364)
وقد استدل بقوله: { ولو أنهم آمنوا واتقوا } من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف. وقيل: بل لا يكفر، ولكن حده ضرب عنقه، لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل، رحمهما الله: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أنه سمع بجالة بن عبدة يقول: كتب [أمير المؤمنين] (1) عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر (2) . وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضا (3) . وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها، فأمرت بها فقتلت (4) . قال أحمد بن حنبل: صح من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [أذنوا] (5) في قتل الساحر.
وروى الترمذي من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حد الساحر ضربه بالسيف" (6) .
ثم قال: لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث، والصحيح: عن الحسن عن جندب موقوفا.
قلت: قد رواه الطبراني من وجه آخر، عن الحسن، عن جندب، مرفوعا (7) . والله أعلم.
وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب (8) عنق الساحر، وقال: إن كان صادقا (9) فليحي نفسه. وتلا قوله تعالى: { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } [الأنبياء: 3] فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك فسجنه ثم أطلقه، (10) والله أعلم.
وقال (11) أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثني أبو إسحاق، عن حارثة قال: كان عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملا
__________
(1) زيادة من جـ.
(2) رواه عبد الله بن أحمد في مسائل أبيه، ط. المكتب الإسلامي برقم (1542) عن أبيه عن سفيان به.
(3) صحيح البخاري برقم (3156).
(4) رواه عبد الله بن أحمد في مسائل أبيه، ط. المكتب الإسلامي برقم (1543) عن أبيه عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن حفصة سحرتها جاريتها، فذكره.
(5) زيادة من جـ.
(6) سنن الترمذي برقم (1460).
(7) المعجم الكبير (2/ 161) من طريق محمد بن الحسن بن سيار، عن خالد العبد عن الحسن عن سمرة به.
(8) في جـ: "وضرب".
(9) في أ، و: "إن كان ساحرا".
(10) الرجل الذي قتله هو جندب بن كعب، انظر القصة في: أسد الغابة لابن الأثير في ترجمة جندب بن كعب (1 /361) وفي الإصابة للحافظ ابن حجر (1/ 251).
(11) في و: "وقال الإمام".
(1/365)
على سيفه فقتله، فقال: أراه كان ساحرا، وحمل الشافعي، رحمه الله، قصة عمر، وحفصة (1) على سحر يكون شركا. والله أعلم. فصل
حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كفروا من اعتقد وجوده. قال: وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارا، والحمار إنسانا، إلا أنهم قالوا: إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى و [تلك] (2) الكلمات المعينة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا خلافا للفلاسفة والمنجمين الصابئة، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق الله تعالى، بقوله تعالى: { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } ومن الأخبار بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر، وأن السحر عمل فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة، رضي الله عنها، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر، قال: وبما يذكر (3) في هذا الباب من الحكايات الكثيرة، ثم قال بعد هذا:
المسألة الخامسة في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور: اتفق المحققون على ذلك؛ لأن (4) العلم لذاته شريف وأيضا لعموم قوله تعالى: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } [الزمر: 9] ؛ ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز معجزا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب؛ فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا، وما يكون واجبا فكيف يكون حراما وقبيحا؟!
هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه، أحدها: قوله: "العلم بالسحر ليس بقبيح". إن عنى به ليس بقبيح عقلا فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا (5) وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعا، ففي هذه الآية الكريمة تبشيع (6) لتعلم السحر، وفي الصحيح: "من أتى عرافا أو كاهنا، فقد كفر بما أنزل على محمد" (7) . وفي السنن: "من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر" (8) . وقوله: ولا محظور اتفق المحققون على ذلك". كيف لا يكون محظورا مع ما ذكرناه من الآية والحديث؟! واتفاق المحققين (9) يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك؟ ثم إدخاله [علم] (10) السحر في عموم قوله: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي، ولم
__________
(1) في جـ: "في قصة حفصة وعمر".
(2) زيادة من جـ.
(3) في جـ: "وما يذكر".
(4) في جـ، ط: "فإن".
(5) في جـ: "ذلك".
(6) في أ: "متسع".
(7) صحيح مسلم برقم (2230) من حديث بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وليس فيه: "كاهنا" والعراف من جملة أنواع الكهان.
(8) رواه النسائي في السنن (7/ 112) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(9) في أ: "المحدثين".
(10) زيادة من جـ، ب، أ، و. وفي ط "تعلم".
(1/366)
قلت إن هذا منه؟ ثم ترقيه (1) إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به، ضعيف بل فاسد؛ لأن معظم (2) معجزات رسولنا، عليه الصلاة والسلام (3) هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلا ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم، كانوا يعلمون المعجز، ويفرقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه، والله أعلم.
ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية:
الأول: سحر الكلدانيين والكشدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم (4) وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بعث (5) إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم مبطلا لمقالتهم ورادا لمذهبهم (6) وقد استقصى في "كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم" المنسوب إليه فيما (7) ذكره القاضي ابن خلكان وغيره (8) ويقال: إنه تاب منه. وقيل (9) إنه (10) صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد. وهذا هو المظنون به، إلا أنه ذكر فيه طرائقهم في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه، وما يتنسكون به.
قال: والنوع الثاني: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدل على أن الوهم له تأثير، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودا على نهر أو نحوه. قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف (11) عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة (12) للأوهام.
قال: وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق.
وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين" (13) .
قال: فإذا عرفت هذا، فنقول: النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدا، فتستغني في هذه الأفاعيل (14) عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه
__________
(1) في أ: "فرقته".
(2) في جـ، ب، أ، و: "لأن أعظم".
(3) في جـ: "صلى الله عليه وسلم".
(4) في جـ: "مدبرة للعالم".
(5) في جـ، ب، أ: "بعث الله".
(6) في جـ، ط، ب، أ، و: "لمذاهبهم".
(7) في ب: "كما".
(8) وفيات الأعيان (3/ 381).
(9) في جـ، ط: "ويقال".
(10) في جـ، ط، ب: "بل".
(11) في جـ: "المرفوع"، وفي ط: "الموضوع".
(12) في جـ، ط، ب، و: "منطبعة"، وفي أ: "منطبقة".
(13) صحيح مسلم برقم (2188) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه.
(14) في جـ، ط، ب، أ، و: "هذه الأفعال".
(1/367)
الآلات. وتحقيقه أن النفس إذا كانت مستعلية (1) على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات، صارت كأنها روح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم. وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات (2) البدنية، فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن. ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس والرياء (3) .
قلت: وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو على قسمين: تارة تكون حالا صحيحة شرعية يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويترك ما نهى الله عنه ورسوله، وهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتصرف بها في ذلك. فهذه (4) حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله (5) إياهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجال -لعنه الله-له من الخوارق العادات (6) ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعا لعنه الله. وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وبسط هذا يطول جدا، وليس هذا موضعه.
قال: النوع الثالث من السحر: الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن، خلافا للفلاسفة والمعتزلة: وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار، وهم الشياطين. قال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة (7) والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخل (8) والتجريد. وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير (9) .
النوع الرابع من السحر: التخيلات، والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه [على] (10) أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم (11) الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه، عمل شيئا آخر عملا بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه. فيتعجبون منه جدا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما (12) يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.
قال: وكلما كانت الأحوال تفيد حسن البصر نوعا من أنواع الخلل (13) أشد، كان العمل
__________
(1) في جـ، ط، ب، و: "مشتغلة"، وفي أ: "مستقبلة".
(2) في جـ، ط، ب، أ، و: "اللذات".
(3) في جـ، ط، ب، و: "والرياضة".
(4) في جـ: "فهذا".
(5) في جـ: "أعطاهم الله"، وفي أ: "على عطاء الله".
(6) في جـ: "والعادات".
(7) في جـ: "من المناسب".
(8) في جـ، ط، ب، أ، و: "والدخن".
(9) في ط، ب، أ، و: "وعمل تسخير".
(10) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(11) في جـ: "إذا استقر".
(12) في ط: "مما".
(13) في جـ: "الخلال".
(1/368)
أحسن، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدا، أو مظلم، فلا تقف القوة الناظرة (1) على أحوالها بكلالها (2) والحالة هذه.
قلت: وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى: { فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم } [الأعراف: 116] وقال تعالى: { يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } [طه: 66] قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم.
النوع الخامس من السحر: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب (3) بالبوق، من غير أن يمسه أحد. ومنها الصور التي تصورها الروم والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصورونها ضاحكة وباكية.
إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطيف أمور المخاييل. قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل.
قلت: يعني ما قاله بعض المفسرين: أنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي، فحشوها زئبقا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها.
قال الرازي: ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال بالآلات الخفيفة.
قال: وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر؛ لأن لها أسبابا (4) معلومة يقينية (5) من اطلع عليها قدر عليها.
قلت: ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يرونهم إياه من الأنوار، كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببلد (6) المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام (7) [منهم] (8) وأما الخواص فهم يعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغا لهم. وفيه شبه (9) للجهلة الأغبياء من متعبدي (10) الكرامية الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم (11) : "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من
__________
(1) في جـ، ط، ب: "الباصرة".
(2) في جـ، ط، ب: "لكلالها" وفي أ: "بكمالها".
(3) في جـ، ط: "ضرب مرة".
(4) في أ: "أنسابا".
(5) في ط، أ: "متيقنة".
(6) في جـ: "ببيت" وفي و: "بالبلد".
(7) في جـ، ط، ب: "الطعام".
(8) زيادة من جـ، ط، ب.
(9) في جـ: "وفيه شبهة"، في أ: "وفيهم شبه".
(10) في أ: "متعدي".
(11) في جـ: "من قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم".
(1/369)
النار (1) ". وقوله: "حدثوا عني ولا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار" (2) .
ثم ذكر ههنا حكاية عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر حزين (3) الصوت ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور ترق له فتذهب فتلقي في وكره من ثمر الزيتون، ليتبلغ (4) به، فعمد هذا الراهب إلى صنعة طائر على شكله، وتوصل إلى أن جعله أجوف، فإذا دخلته الريح يسمع له (5) صوت كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابا من ناحيه، فتدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فيسمع صوتها كذلك الطائر في شكله أيضا، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئا كثيرا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه؟ ففتنهم بذلك، وأوهم (6) أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة (7) إلى يوم القيامة.
قال الرازي: النوع السادس من السحر: الاستعانة بخواص الأدوية يعني في الأطعمة والدهانات (8) . قال: واعلم أن لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن أثر المغناطيس مشاهد.
قلت: يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر ويتخيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعيا أنها أحوال له (9) من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات.
قال: النوع السابع من السحر: تعليق (10) القلب، وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن يكون ذلك السامع لذلك ضعيف العقل (11) قليل التمييز اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك وحصل في نفسه نوع من الرهب والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة (12) فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.
قلت: هذا النمط يقال له التنبلة، وإنما يروج على الضعفاء العقول من بني آدم. وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه، فإذا كان المتنبل حاذقا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره.
قال: النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة والتضريب (13) من وجوه خفيفة لطيفة، وذلك شائع في الناس.
__________
(1) هذا الحديث رواه جمع من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم عدهم الإمام الطبراني في جزء له فأوصلهم فوق الستين، وانظره في: صحيح البخاري برقم (107) من حديث الزبير رضي الله عنه، وفي مقدمة صحيح مسلم برقم (2-4) من حديث أنس وأبي هريرة والمغيرة رضي الله عنهم".
(2) رواه مسلم في مقدمة صحيحه برقم (1) من حديث علي رضي الله عنه.
(3) في أ، و ك: "حنين".
(4) في جـ، أ: "ليبتلع".
(5) في جـ، ط، ب، أ، و: "يسمع منه".
(6) في جـ: "وأوهمهم".
(7) في جـ، ط، ب: "التابعة"، وفي أ: "البالغة".
(8) في جـ: "في الأطعمة والدهان".
(9) في جـ: "أنها أحواله".
(10) في جـ: "تعلق".
(11) في ب، أ، و: "القلب".
(12) في جـ: "القوى الحسية".
(13) في ب: "التضرب".
(1/370)
قلت: النميمة على قسمين، تارة تكون على وجه التحريش [بين الناس] (1) وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه. فأما إذا (2) كانت على وجه الإصلاح [بين الناس] (3) وائتلاف كلمة المسلمين، كما جاء في الحديث: "ليس بالكذاب من ينم خيرا" أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة" فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث: "الحرب خدعة". وكما فعل نعيم بن مسعود (4) في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين (5) قريظة، وجاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلاما، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئا آخر، ثم لأم بين ذلك، فتناكرت النفوس وافترقت. وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء والبصيرة النافذة. والله المستعان.
ثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه.
قلت: وإنما أدخل كثيرا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر، للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عما لطف وخفي سببه. ولهذا جاء في الحديث: "إن من البيان لسحرا (6) . وسمي السحور لكونه يقع خفيا آخر الليل (7) والسحر: الرئة، وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سحرك (8) أي: انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة، رضي الله عنها: توفي رسول صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري. وقال: { سحروا أعين الناس } أي: أخفوا عنهم عملهم، والله أعلم (9) .
[فصل] (10) وقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة في كتابه: "الإشراف على مذاهب الأشراف" بابا في السحر، فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة، فإنه قال: لا حقيقة له عنده. واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقدا جوازه أو أنه ينفعه كفر. وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر. وقال الشافعي، رحمه الله: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك. فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر. وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر.
قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد: نعم. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا. فأما إن قتل بسحره إنسانا فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا
__________
(1) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و:"فأما إن".
(2) في جـ، ط، ب، أ، و.
(3) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(4) في جـ: "ابن الأسود".
(5) في جـ، ط، ب، أ، و: "وبني".
(6) في جـ، ط، ب، أ، و: "سحرا".
(7) في جـ: "الليلة".
(8) في جـ، ب، أ، و: "سحره".
(9) في جـ: "والله تبارك وتعالى أعلم".
(10) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(1/371)
يقتل حتى يتكرر منه ذلك (1) أو يقر بذلك في حق شخص (2) معين. وإذا قتل فإنه يقتل حدا عندهم إلا الشافعي، فإنه قال: يقتل -والحالة هذه-قصاصا.
قال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك، وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهما: لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل. وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل، كما يقتل الساحر المسلم. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يقتل. يعني لقصة لبيد بن أعصم (3) .
واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة (4) لا تقتل، ولكن تحبس. وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل، والله أعلم.
وقال أبو بكر الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: قرأ على أبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل-عمر بن هارون، حدثنا يونس، عن الزهري، قال: يقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر المشركين؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها.
وقد نقل القرطبي عن مالك، رحمه الله، أنه قال في الذمي إذا سحر يقتل إن قتل سحره، وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر: إحداهما: أنه يستتاب فإن أسلم وإلا قتل، والثانية: أنه يقتل وإن أسلم، وأما الساحر المسلم فإن تضمن سحره كفرا كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم لقوله تعالى: " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر " . لكن قال مالك: إذا ظهر عليه لم تقبل توبته لأنه كالزنديق، فإن تاب قبل أن يظهر عليه وجاءنا تائبا قبلناه ولم نقتله، فإن قتل سحره قتل. قال الشافعي: فإن قال: لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية.
مسألة: وهل يسأل الساحر حل سحره؟ فأجاز سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري، وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة، وكره ذلك الحسن البصري، وفي الصحيح عن عائشة: أنها قالت: يا رسول الله، هلا تنشرت، فقال: "أما الله فقد شفاني، وخشيت أن أفتح على الناس شرا" (5) . وحكى القرطبي عن وهب: أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته.
قلت: أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في إذهاب ذلك وهما المعوذتان، وفي الحديث: "لم يتعوذ المتعوذون بمثلهما" (6) وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان. وقال أبو عبد الله القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء.
__________
(1) في جـ: "منه الفعل".
(2) في أ: "في حق رجل".
(3) في أ: "لقضية لبيد بن الأعصم".
(4) في جـ، ط، ب، أ، و: "فعند أبي حنيفة أنها".
(5) صحيح البخاري برقم (5766) وصحيح مسلم برقم (2189).
(6) رواه النسائي في السنن (8/ 251) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(1/372)
يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم (104) ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105)
خلافا للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية حيث قالوا: إنه تمويه وتخيل. قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة والشعوذي البريد؛ لخفة سيره. قال ابن فارس: هذه الكلمة من كلام أهل البادية. قال القرطبي: ومنه ما يكون كلاما يحفظ ورقى من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك. قال: وقوله، عليه السلام: "إن من البيان لسحرا" (1) يحتمل أن يكون مدحا كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذما للبلاغة. قال: وهذا الأصح. قال: لأنها تصوب الباطل حين يوهم السامع أنه حق كما قال: "فلعل بعضكم أن يكون ألحن لحجته من بعض" فاقتضى له، الحديث.
{ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم (104) ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105) }
نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص -عليهم لعائن الله-فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا يقولون: راعنا. يورون (2) بالرعونة، كما قال تعالى: { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } [النساء: 46] وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الخميس، 14 أبريل 2016

قال ابن كثير : وقوله تعالى: { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه }

 اختلف الناس في هذا المقام، فذهب بعضهم إلى أن "ما" نافية، أعني التي في قوله: { وما أنزل على الملكين } قال القرطبي: "ما" نافية ومعطوفة على قوله: { وما كفر سليمان } ثم قال: { ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل } أي: السحر { على الملكين } وذلك أن اليهود -لعنهم الله-كانوا يزعمون أنه نزل
__________
(1) تفسير الطبري (2/ 414).
(2) في جـ، ط، ب، أ، و: "ما تتلوه".
(3) في جـ، ط،: "وعلي".
(4) في جـ، ط، ب، أ، و: "قبل زمن".
(5) في جـ: "زمن".
(6) زيادة من جـ، ط.
(1/350)
به جبريل وميكائيل فأكذبهم الله في ذلك وجعل قوله: { هاروت وماروت } بدلا من: { الشياطين } قال: وصح ذلك، إما لأن الجمع قد يطلق على الاثنين كما في قوله: { فإن كان له إخوة } [النساء: 11] أو يكون لهما أتباع، أو ذكرا من بينهم لتمردهما، فتقدير الكلام عنده: تعلمون الناس السحر ببابل، هاروت وماروت. ثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح ولا يلتفت إلى ما سواه.
وروى ابن جرير بإسناده من طريق العوفي، عن ابن عباس، في قوله: { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } يقول: لم ينزل الله السحر. وبإسناده، عن الربيع بن أنس، في قوله: { وما أنزل على الملكين } قال: ما أنزل الله عليهما السحر.
قال ابن جرير: فتأويل الآية على هذا: واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل، هاروت وماروت. فيكون قوله: { ببابل هاروت [وماروت (1) ] } من المؤخر الذي معناه المقدم. قال: فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان } -"من السحر"- { وما كفر سليمان } وما أنزل الله "السحر" على الملكين، { ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } ببابل وهاروت وماروت فيكون معنيا بالملكين: جبريل وميكائيل، عليهما السلام؛ لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان، عليه السلام، مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان، اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس، وردا عليهم.
هذا لفظه بحروفه (2) .
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثت عن عبيد الله بن موسى، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية { وما أنزل على الملكين } قال: ما أنزل الله على جبريل وميكائيل السحر.
حدثنا (3) الفضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا يعلى -يعني ابن أسد-حدثنا بكر (4) -يعني ابن مصعب-حدثنا الحسن بن أبي جعفر: أن عبد الرحمن بن أبزى كان يقرؤها: "وما أنزل على الملكين داود وسليمان".
وقال أبو العالية: لم ينزل عليهما السحر، يقول: علما الإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشد النهي. رواه ابن أبي حاتم.
__________
(1) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(2) تفسير الطبري (2/ 419، 420).
(3) في و: "وقال ابن أبي حاتم: حدثنا".
(4) في جـ، ط، ب: "بكير".
(1/351)
ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول، وأن "ما" بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وادعى (1) أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر اختبارا لعباده وامتحانا، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به.
وهذا الذي سلكه غريب جدا! وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن [كما زعمه ابن حزم] (2) !
وروى ابن أبي حاتم بإسناده. عن الضحاك بن مزاحم: أنه كان يقرؤها: { وما أنزل على الملكين } ويقول: هما علجان من أهل بابل.
ووجه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخلق، لا بمعنى الإيحاء، في قوله: { وما أنزل على الملكين } كما قال تعالى: { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } [الزمر: 6]، { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } [الحديد: 25] ، { وينزل لكم من السماء رزقا } [غافر: 13] . وفي الحديث: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء". وكما يقال: أنزل الله الخير والشر.
[وحكى القرطبي عن ابن عباس وابن أبزى والضحاك والحسن البصري: أنهم قرؤوا: "وما أنزل على الملكين" بكسر اللام. قال ابن أبزى: وهما داود وسليمان. قال القرطبي: فعلى هذا تكون "ما" نافية أيضا] (3) .
وذهب آخرون إلى الوقف على قوله: { يعلمون الناس السحر } [و "ما" نافية] (4) قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وسأله رجل عن قول الله تعالى: { يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } قال الرجل: يعلمان الناس السحر، ما أنزل عليهما (5) أو يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؟ فقال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت.
ثم روى عن يونس، عن أنس بن عياض، عن بعض أصحابه: أن القاسم قال في هذه القصة: لا أبالي أي ذلك كان، إني آمنت به.
وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده كما سنورده إن شاء الله تعالى. وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ثبت من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصا لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس
__________
(1) في جـ: "وادعى على".
(2) زيادة من جـ، ط.
(3) زيادة من جـ، ط.
(4) زيادة من جـ، ط، ب، و.
(5) في جـ : "إليهما".
(1/352)
ما سبق، وفي قول: إنه كان من الملائكة، لقوله تعالى: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى } [طه: 116] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. مع أن شأن هاروت وماروت -على ما ذكر-أخف مما وقع من إبليس لعنه الله.
[وقد حكاه القرطبي عن على، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وكعب الأحبار، والسدي، والكلبي] (1) .
ذكر الحديث الوارد في ذلك -إن صح سنده ورفعه-وبيان الكلام عليه:
قال الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، في مسنده: حدثنا يحيى بن [أبي] (2) بكير، حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه سمع نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن آدم -عليه السلام-لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب (3) { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30] ، قالوا: ربنا، نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان؟ قالوا: بربنا، هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض ومثلت لهما (4) الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها. فقالت: لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك. فقالا والله (5) لا نشرك بالله شيئا أبدا. فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها. فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا لا والله لا نقتله أبدا. ثم ذهبت فرجعت (6) بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها. فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر. فشربا فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي. فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئا أبيتماه علي إلا قد (7) فعلتماه حين سكرتما. فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا".
وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه، عن الحسن عن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن بكير، به (8) .
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء، روى عن ابن عباس وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، ونافع، وعبد الله بن كعب بن مالك. وروى عنه ابنه عبد السلام، وبكر بن مضر، وزهير بن محمد، وسعيد بن سلمة، وعبد الله بن لهيعة، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن أيوب. وروى له أبو داود، وابن ماجه، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولم يحك فيه شيئا
__________
(1) زيادة من جـ، ط.
(2) زيادة من ط.
(3) في جـ: "يا رب".
(4) في جـ: "لهم".
(5) في جـ، ط: "لا والله".
(6) في ج، ط، ب: "فذهبت ثم رجعت".
(7) في جـ: "وقد".
(8) المسند (2/ 134) وصحيح ابن حبان برقم (1717) "موارد" وقال أبو حاتم في العلل (2/ 69): "هذا حديث منكر".
(1/353)
من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال (1) وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروي له متابع من وجه آخر عن نافع، كما قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا هشام [بن علي بن هشام] (2) حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سرجس، عن نافع، عن ابن عمر: سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول. فذكره بطوله.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين -وهو سنيد بن داود صاحب التفسير-حدثنا الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع، قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل قال: يا نافع، انظر، طلعت الحمراء؟ قلت: لا -مرتين أو ثلاثا-ثم قلت: قد طلعت. قال: لا مرحبا بها ولا أهلا؟ قلت: سبحان الله! نجم مسخر سامع مطيع. قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم -أو قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم-: "إن الملائكة قالت: يا رب، كيف صبرك على بني آدم في الخطايا (3) والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال: فاختاروا ملكين منكم. قال: فلم يألوا جهدا أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت" (4) .
وهذان -أيضا-غريبان جدا. وأقرب ما في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي (5) صلى الله عليه وسلم، كما قال عبد الرزاق في تفسيره، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب، قال (6) ذكرت الملائكة أعمال بني آدم، وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت. فقال (7) لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلا وليس بيني وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئا ولا تزنيا ولا تشربا الخمر. قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه.
ورواه ابن جرير من طريقين، عن عبد الرزاق، به (8) .
ورواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن عصام، عن مؤمل، عن سفيان الثوري، به (9) .
ورواه ابن جرير أيضا: حدثني المثنى، حدثنا المعلى -وهو ابن أسد-حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة، حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث، عن كعب الأحبار، فذكره (10) .
فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في أبيه من مولاه
__________
(1) الجرح والتعديل (8/ 139) وذكره ابن حبان في الثقات (7/451) وقال: "يخطئ ويخالف".
(2) زيادة من جـ، ط، و.
(3) في ط، ب: "الخطأ".
(4) تفسير الطبري (2/433).
(5) في جـ: "رسول الله".
(6) في ط: "وقال".
(7) في جـ، ط، ب، و: "فقيل".
(8) تفسير عبد الرزاق (1/ 73، 74). وتفسير الطبري (2/429).
(9) تفسير ابن أبي حاتم (1/ 306).
(10) تفسير الطبري (2/ 430).
(1/354)
نافع. فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار، عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم.
ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين:
قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج (1) حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن عمير بن سعيد، قال: سمعت عليا، رضي الله عنه، يقول: كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها (2) عن نفسها، فأبت عليهما إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم [المتكلم] (3) به يعرج به إلى السماء. فعلماها فتكلمت به فعرجت إلى السماء. فمسخت كوكبا!
وهذا الإسناد [جيد و] (4) رجاله ثقات، وهو غريب جدا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الفضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا أبو معاوية، عن [ابن أبي] (5) خالد، عن عمير بن سعيد، عن علي قال: هما ملكان من ملائكة السماء. يعني: { وما أنزل على الملكين } (6) .
ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بسنده، عن مغيث، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي -مرفوعا. وهذا لا يثبت من هذا الوجه.
ثم رواه من طريقين آخرين، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت". وهذا أيضا لا يصح (7) وهو منكر جدا. والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا جميعا: لما كثر (8) بنو آدم وعصوا، دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال ربنا لا تهلكهم (9) فأوحى الله إلى الملائكة: إني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم، ولو نزلتم لفعلتم أيضا. قال: فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا، فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم. فاختاروا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة (10) امرأة من أهل فارس يسمونها بيذخت. قال: فوقعا بالخطية (11) . فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } [غافر: 7]
__________
(1) في جـ: "المثنى بن الحجاج".
(2) في جـ: "فراودوها".
(3) زيادة من جـ، ط.
(4) زيادة من جـ.
(5) زيادة من ط، ب، و.
(6) تفسير ابن أبي حاتم (1/ 303).
(7) ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة برقم (654) من طريق عيسى بن يونس عن أخيه إسرائيل عن جابر عن أبي الطفيل عن علي به.
(8) في جـ: "كثر سواد".
(9) في جـ، ط: "تمهلهم".
(10) في جـ: "في أحسن صورة".
(11) في جـ: "بالخطيئة".
(1/355)
فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم. فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختاروا (1) عذاب الدنيا (2) .
وقال: ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، أخبرنا عبيد الله -يعني ابن عمرو-عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو ويونس بن خباب، عن مجاهد، قال: كنت نازلا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان (3) ذات ليلة قال لغلامه: انظر، هل طلعت الحمراء، لا مرحبا بها ولا أهلا ولا حياها الله هي صاحبة الملكين. قالت الملائكة: يا رب، كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام وينتهكون محارمك ويفسدون في الأرض! قال: إني ابتليتهم، فعل (4) إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون. قالوا: لا. قال: فاختاروا من خياركم اثنين. فاختاروا هاروت وماروت. فقال لهما: إني مهبطكما إلى الأرض، وعاهد إليكما ألا تشركا ولا تزنيا ولا تخونا. فأهبطا إلى الأرض وألقي عليهما الشبق، وأهبطت لهما الزهرة في أحسن صورة امرأة، فتعرضت لهما، فراوداها (5) عن نفسها. فقالت: إني على دين لا يصح (6) لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله. قالا وما دينك؟ قالت: المجوسية. قالا الشرك! هذا شيء لا نقر به. فمكثت عنهما ما شاء الله. ثم تعرضت لهما فأراداها عن نفسها. فقالت: ما شئتما، غير أن لي زوجا، وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني، وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء فعلت. فأقرا لها بدينها وأتياها فيما يريان، ثم صعدا بها إلى السماء. فلما انتهيا بها إلى السماء اختطفت منهما، وقطعت أجنحتهما (7) فوقعا خائفين نادمين يبكيان، وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب. فقالا لو أتينا فلانا فسألناه فطلب (8) لنا التوبة فأتياه، فقال: رحمكما الله (9) كيف يطلب التوبة أهل الأرض لأهل السماء! قالا إنا قد ابتلينا. قال: ائتياني (10) يوم الجمعة. فأتياه، فقال: ما أجبت فيكما بشيء، ائتياني في الجمعة الثانية. فأتياه، فقال: اختارا، فقد خيرتما، إن أحببتما معافاة الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله. فقال أحدهما: إن الدنيا لم يمض منها إلا القليل. وقال الآخر: ويحك؟ إني قد أطعتك في الأمر الأول فأطعني الآن، إن عذابا يفنى ليس كعذاب يبقى. وإننا يوم القيامة على حكم الله، فأخاف أن يعذبنا. قال: لا إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة لا يجمعهما علينا. قال: فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من نار، عاليهما
__________
(1) في جـ، ط، ب: "فاختارا".
(2) تفسير الطبري (2/ 428)
(3) في جـ: "فلما كانت".
(4) في جـ: "بفعل".
(5) في جـ: "فأراداها".
(6) في جـ، ط، ب: "لا يصلح".
(7) في جـ: "أجنحتها".
(8) في جـ، ط، ب: "يطلب".
(9) في جـ: "ما رحمكم الله".
(10) في جـ: "فأتياني".
(1/356)
سافلهما (1) .
وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر. وقد تقدم في رواية ابن جرير من حديث معاوية بن صالح، عن نافع، عنه رفعه. وهذا أثبت وأصح إسنادا. ثم هو -والله أعلم-من رواية ابن عمر عن كعب، كما تقدم بيانه من رواية سالم عن أبيه. وقوله: إن الزهرة نزلت في صورة امرأة حسناء، وكذا في المروي عن علي، فيه غرابة جدا.
وأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم: حدثنا عصام بن رواد، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، حدثنا الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس، رضي الله عنهما (2) قال: لما وقع الناس من بعد آدم، عليه السلام، فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: يا رب، هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، قد وقعوا فيما وقعوا فيه وركبوا الكفر وقتل النفس وأكل المال الحرام، والزنا والسرقة وشرب الخمر. فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم، فقيل: إنهم في غيب. فلم يعذروهم. فقيل لهم: اختاروا منكم من أفضلكم ملكين، آمرهما وأنهاهما. فاختاروا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما الله أن يعبداه ولا يشركا به شيئا، ونهيا عن قتل النفس الحرام وأكل المال الحرام، وعن الزنا والسرقة وشرب الخمر. فلبثا في الأرض زمانا يحكمان بين الناس بالحق وذلك في زمان إدريس عليه السلام. وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وأنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول وأراداها على نفسها فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها، فسألاها (3) عن دينها، فأخرجت لهما صنما فقالت: هذا أعبده. فقالا لا حاجة لنا في عبادة هذا. فذهبا فغبرا ما شاء الله. ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها، ففعلت مثل ذلك. فذهبا، ثم أتيا عليها فراوداها (4) على نفسها، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث: إما أن تعبدا هذا الصنم، وإما أن تقتلا هذه النفس، وإما أن تشربا هذا الخمر. فقالا كل هذا لا ينبغي، وأهون هذا شرب الخمر. فشربا الخمر فأخذت فيهما فواقعا (5) المرأة، فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه (6) فلما ذهب عنهما السكر وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة أرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه، فعجبوا كل العجب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فنزل في ذلك: { والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض } [الشورى: 5] فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة فقالا أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع
__________
(1) تفسير ابن أبي حاتم (1/ 306، 307).
(2) في جـ، ط: "عنه".
(3) في جـ، ط، ب: "فسألا".
(4) في جـ، ط، ب: "فأراداها".
(5) في جـ: "فوقعا".
(6) في جـ: "فقتلاها".
(1/357)
ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له. فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا ببابل، فهما يعذبان (1) .
وقد رواه الحاكم في مستدركه مطولا عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن راهويه، عن حكام بن سلم (2) الرازي، وكان ثقة، عن أبي جعفر الرازي، به. ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. فهذا أقرب ما روي في شأن الزهرة، والله أعلم (3) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني (4) حدثنا يزيد -يعني الفارسي-عن ابن عباس [قال] (5) أن أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون المعاصي (6) فقالوا: يا رب أهل الأرض كانوا يعملون بالمعاصي! فقال الله: أنتم معي، وهم غيب عني. فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثة، فاختاروا منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض، على أن يحكموا بين أهل الأرض، وجعل فيهم شهوة الآدميين، فأمروا ألا يشربوا خمرا ولا يقتلوا نفسا، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن. فاستقال منهم واحد، فأقيل. فأهبط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس (7) يقال لها: مناهية (8) . فهوياها جميعا، ثم أتيا منزلها فاجتمعا عندها، فأراداها فقالت لهما: لا حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني. فقالا لا نسجد. ثم شربا من الخمر، ثم قتلا ثم سجدا. فأشرف أهل السماء عليهما. فقالت (9) لهما: أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما. فأخبراها فطارت فمسخت جمرة. وهي هذه الزهرة. وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختارا عذاب الدنيا. فهما مناطان بين السماء والأرض (10) .
وهذا السياق فيه زيادات كثيرة وإغراب ونكارة، والله أعلم بالصواب.
وقال عبد الرزاق: قال معمر: قال قتادة والزهري، عن عبيد الله بن عبد الله: { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } كانا ملكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فحافا لها. ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. وقال معمر: قال قتادة: فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما ألا يعلما أحدا حتى يقولا { إنما نحن فتنة فلا تكفر } (11) .
وقال أسباط عن السدي أنه قال: كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في
__________
(1) تفسير ابن أبي حاتم (1/ 305).
(2) في و: "بن سالم".
(3) وقد أبطل الإمام ابن حزم قصة هاروت وماروت ورد على من ادعى شربهما الخمر وارتكابهما الزنا والقتل في كتابه الفصل (3 / 303-308، 4/ 61-65).
(4) في جـ: "الحراني".
(5) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(6) في جـ، ط، أ، و: "بالمعاصي".
(7) في جـ: "النساء".
(8) في أ: "أناهيد".
(9) في جـ، ط، ب،: "وقالت.
(10) تفسير ابن أبي حاتم (1/ 308).
(11) تفسير عبد الرزاق (1/ 73).
(1/358)
أحكامهم، فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشرا من الشهوات، فبها (1) يعصونني. قال هاروت وماروت: ربنا، لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل. فقال لهما: انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس. فنزلا ببابل دنباوند، فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عرجا، فإذا أصبحا هبطا، فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما (2) حسنها -واسمها بالعربية "الزهرة"، وبالنبطية "بيذخت" وبالفارسية "أناهيد"-فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني. قال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك. فقال الآخر: هل لك أن أذكرها لنفسها؟ قال: نعم ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا لنرجو رحمة الله. فلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها، فقالت: لا حتى تقضيا لي على زوجي. فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خربة من الخرب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك. فلما أراد الذي يواقعها قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان منها؟ فأخبراها، فتكلمت فصعدت، فأنساها الله ما تنزل به، فبقيت (3) مكانها، وجعلها (4) الله كوكبا. فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها، فقال: هذه التي فتنت هاروت وماروت، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا، فعرفا الهلكة فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختارا عذاب الدنيا، فعلقا ببابل، وجعلا يكلمان الناس كلامهما وهو السحر.
وقال ابن أبي نجيح (5) عن مجاهد: أما شأن هاروت وماروت، فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم تعالى: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض بين بنى آدم فاختاروا فلم يألوا [إلا] (6) هاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما: أعجبتما (7) من بني آدم من ظلمهم ومن معصيتهم، وإنما تأتيهم الرسل والكتب [والبينات] (8) من وراء وراء، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا وكذا، فأمرهما بأمر ونهاهما، ثم نزلا على ذلك ليس أحد أطوع لله منهما، فحكما فعدلا. فكانا يحكمان في النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا فكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم، فقضيا عليها. فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل الذي وجدت؟ قال: نعم. فبعثا إليها أن ائتيانا نقض لك. فلما رجعت قالا وقضيا لها، فأتتهما فتكشفا لها عن عورتيهما، وإنما كانت شهوتهما (9) في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها. فلما بلغا ذلك واستحلا افتتنا، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت. فلما أمسيا عرجا فزجرا فلم يؤذن لهما، ولم تحملهما أجنحتهما. فاستغاثا برجل من بني آدم
__________
(1) في ط، ب: "فما".
(2) في جـ، ط، ب، أ، و: "فأعجبهما من ".
(3) في ب، أ، و: "فثبتت".
(4) في أ: "وخلقها".
(5) في ط: "جريج".
(6) زيادة من جـ.
(7) في جـ، ط، ب: "أعجبتم".
(8) زيادة من جـ.
(9) في أ، و: "سوآتهما".
(1/359)
فأتياه، فقالا ادع لنا ربك. فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء. فوعدهما يوما، وغدا يدعو لهما، فدعا لهما، فاستجيب له، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال: ألا تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد، وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟ فأمرا أن ينزلا ببابل، فثم عذابهما. وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان، يصفقان بأجنحتهما.
وقد روى في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد والسدي والحسن [البصري] (1) وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال.
وقد ورد في ذلك أثر غريب وسياق عجيب في ذلك أحببنا أن ننبه عليه، قال: الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله: حدثنا الربيع بن سليمان، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم [رضي الله عنها وعن أبيها] (2) أنها قالت: قدمت امرأة علي من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته حداثة ذلك، تسأله عن شيء (3) دخلت فيه من أمر السحر، ولم تعمل به. قالت عائشة، رضي الله عنها، لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفيها كانت تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت. كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك. فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما (4) وركبت الآخر، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل، وإذا برجلين معلقين بأرجلهما. فقالا ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم (5) السحر. فقالا إنما نحن فتنة فلا تكفري، فارجعي. فأبيت وقلت: لا. قالا فاذهبي (6) إلى ذلك التنور، فبولي فيه. فذهبت ففزعت ولم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا أفعلت؟ فقلت: نعم. فقالا هل رأيت شيئا؟ فقلت: لم أر شيئا. فقالا لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري [فإنك على رأس أمري] (7) . فأرببت وأبيت (8) . فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. فذهبت فاقشعررت [وخفت] (9) ثم رجعت إليهما فقلت: قد فعلت. فقالا فما رأيت؟ فقلت: لم
__________
(1) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(2) زيادة من جـ.
(3) في أ، و: "عن أشياء".
(4) في جـ: "فركبت إحداهما".
(5) في جـ، ب، أ، و: "فقلنا نتعلم".
(6) في أ: "فقالا فاذهبا".
(7) زيادة من جـ.
(8) في جـ: "فأبت وأبيت".
(9) زيادة من جـ، ب، أ، و.
(1/360)
أر شيئا. فقالا كذبت، لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري (1) ؛ فإنك على رأس أمرك. فأرببت وأبيت. فقالا اذهبي إلى ذلك التنور، فبولي فيه. فذهبت إليه فبلت فيه، فرأيت فارسا مقنعا (2) بحديد خرج مني، فذهب في السماء وغاب [عني] (3) حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت. فقالا فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسا مقنعا خرج مني فذهب في السماء، حتى ما أراه. فقالا صدقت، ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئا وما قالا لي شيئا. فقالت: بلى، لم تريدي شيئا إلا كان، خذي هذا القمح فابذري، فبذرت، وقلت: أطلعي (4) فأطلعت (5) وقلت: أحقلي فأحقلت (6) ثم قلت: أفركي فأفركت. ثم قلت: أيبسي فأيبست (7) . ثم قلت: أطحني فأطحنت (8) . ثم قلت: أخبزي فأخبزت (9) . فلما رأيت أني لا أريد شيئا إلا كان، سقط في يدي وندمت -والله-يا أم المؤمنين والله ما فعلت شيئا قط ولا أفعله أبدا (10) .
ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان، به مطولا كما تقدم (11) . وزاد بعد قولها: ولا أفعله أبدا: فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حداثة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يومئذ متوافرون، فما دروا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه، إلا أنه قد قال لها ابن عباس -أو بعض من كان عنده-: لو كان أبواك حيين أو أحدهما [لكان يكفيانك] (12) .
قال هشام: فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان [قال] (13) : قال ابن أبي الزناد: وكان هشام يقول: إنهم كانوا أهل الورع والخشية (14) من الله. ثم يقول هشام: لو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نوكى أهل حمق وتكلف بغير علم.
فهذا إسناد جيد إلى عائشة، رضي الله عنها.
وقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى أن (15) الساحر له تمكن في قلب الأعيان؛ لأن هذه المرأة بذرت واستغلت في الحال.
وقال آخرون: بل ليس له قدرة إلا على التخييل، كما قال [الله] (16) تعالى: { سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم } [الأعراف: 116] وقال تعالى: { يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } [طه: 66]
__________
(1) في جـ: "ولم تكفري".
(2) في جـ: "معلقا".
(3) زيادة من أ.
(4) في جـ، ط: "اطلع فطلع".
(5) في جـ: "احقل فأحقل"، وفي أ، و: "فطلعت".
(6) في ط: "احقلى فأجعلت".
(7) في جـ: "أيبس فيبس".
(8) في جـ: "اطحن فطحن".
(9) في جـ: "اختبز فاختبز".
(10) تفسير الطبري (2/ 439-441).
(11) تفسير ابن أبي حاتم (1/ 312) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (8/ 137) من طريق الربيع بن سليمان به مطولا، وهذه الزيادة لم ترد في المطبوع من تفسير ابن أبي حاتم، وقد نبه إلى ذلك المحقق الفاضل، جزاه الله خيرا.
(12) زيادة من أ.
(13) زيادة من أ.
(14) في جـ: "وأهل خشية".
(15) في أ: "من ذهب بأن".
(16) زيادة من أ.
(1/361)
واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق، لا بابل دنباوند (1) كما قاله السدي وغيره. ثم الدليل على أنها بابل العراق ما قال (2) ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن صالح، حدثني ابن وهب، حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري أن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه [مر ببابل وهو يسير، فجاء المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ] قال: إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي [بأرض المقبرة، ونهاني أن أصلي] ببابل فإنها ملعونة (3) .
وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري: أن عليا مر ببابل، وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال: إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي بأرض بابل، فإنها ملعونة.
حدثنا أحمد بن صالح: حدثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة، عن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري، عن علي، بمعنى حديث سليمان بن داود، قال: فلما "خرج" مكان "برز" (4) .
وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود، لأنه رواه وسكت عنه (5) ؛ ففيه من الفقه كراهية الصلاة بأرض بابل، كما تكره بديار ثمود الذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى منازلهم، إلا أن يكونوا باكين.
قال أصحاب الهيئة: وبعد ما بين بابل، وهي من إقليم العراق، عن البحر المحيط الغربي، ويقال له: أوقيانوس (6) سبعون درجة، ويسمون هذا طولا وأما عرضها وهو بعد ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب، وهو المسامت لخط الاستواء، اثنان (7) وثلاثون درجة، والله أعلم.





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]