الأربعاء، 4 مايو 2016

قال ابن كثير/ تفسير/ : { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (113) }


يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا: { نحن أبناء الله وأحباؤه } [المائدة: 18] . فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم من (1) دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، ثم ينتقلون إلى الجنة. ورد عليهم تعالى في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة
__________
(1) في جـ، ط: "في".
(1/384)
ولا بينة، فقال { تلك أمانيهم }
وقال أبو العالية: أماني تمنوها على الله بغير حق. وكذا قال قتادة والربيع بن أنس.
ثم قال: { قل } أي: يا محمد، { هاتوا برهانكم }
وقال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس: حجتكم. وقال قتادة: بينتكم على ذلك. { إن كنتم صادقين } كما تدعونه (1) .
ثم قال تعالى: { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن } أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } الآية [آل عمران: 20].
وقال أبو العالية والربيع: { بلى من أسلم وجهه لله } يقول: من أخلص لله.
وقال سعيد بن جبير: { بلى من أسلم } أخلص، { وجهه } قال: دينه، { وهو محسن } أي: متبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن للعمل (2) المتقبل شرطين، أحدهما: أن يكون خالصا لله وحده والآخر: أن يكون صوابا موافقا للشريعة. فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يتقبل؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". رواه مسلم من حديث عائشة، عنه، عليه السلام.
فعمل الرهبان ومن شابههم -وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله-فإنه لا يتقبل منهم، حتى يكون ذلك متابعا للرسول [محمد] (3) صلى الله عليه وسلم المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم، قال الله تعالى: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } [الفرقان: 23] ، وقال تعالى: { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا } [النور: 39] .
وروي عن أمير المؤمنين عمر أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي.
وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين، كما قال تعالى: { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } [النساء: 142] ، وقال تعالى: { فويل للمصلين* الذين هم عن صلاتهم ساهون* الذين هم يراءون* ويمنعون الماعون } [الماعون: 4 -7] ، ولهذا قال تعالى: { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } [الكهف: 110] . وقال في هذه الآية الكريمة: { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن }
وقوله: { فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وآمنهم مما يخافونه من المحذور فـ { لا خوف عليهم } فيما يستقبلونه، { ولا هم يحزنون } على ما مضى مما يتركونه، كما قال سعيد بن جبير: فـ { لا خوف عليهم } يعني: في الآخرة { ولا هم يحزنون }
__________
(1) في جـ، ط، ب، و: "أي فيما تدعونه"، وفي أ: "أي مما تدعونه".
(2) في أ: "في العمل".
(3) زيادة من جـ، ط، ب.
(1/385)
[يعني: لا يحزنون] (1) للموت.
وقوله تعالى: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب } يبين به تعالى تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم. كما قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رافع بن حريملة (2) ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى وبالإنجيل. وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء. وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة. فأنزل الله في ذلك من قولهما (3) { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب } قال: إن كلا يتلو في كتابه تصديق من كفر به، أي: يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة، فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى، وما جاء (4) من التوراة من عند الله، وكل يكفر بما في يد (5) صاحبه.
وقال مجاهد في تفسير هذه الآية: قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء.
وقال قتادة: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء } قال: بلى، قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا. { وقالت النصارى ليست اليهود على شيء } قال: بلى قد كانت أوائل اليهود على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا.
وعنه رواية أخرى كقول أبي العالية، والربيع بن أنس في تفسير (6) هذه الآية: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء } هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا القول يقتضي أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى. ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه، مع علمهم بخلاف ذلك؛ ولهذا قال تعالى: { وهم يتلون الكتاب } أي: وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت، ولكن تجاحدوا فيما بينهم عنادا وكفرا (7) ومقابلة للفاسد بالفاسد، كما تقدم عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها، والله أعلم.
وقوله تعالى: { كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم } يبين بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا من القول، وهذا من باب الإيماء والإشارة. وقد اختلف فيما عنى بقوله تعالى: { الذين لا يعلمون }
__________
(1) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(2) في أ: "بن خزيمة".
(3) في جـ: "من قوله".
(4) في أ، و: "جاء به".
(5) في جـ، ط، ب: "بما في يدي".
(6) في أ، و: "في تفسيره".
(7) في جـ: "كفرا وعنادا".
(1/386)
ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (114)
فقال الربيع بن أنس وقتادة: { كذلك قال الذين لا يعلمون } قالا وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل. وقال السدي: { كذلك قال الذين لا يعلمون } فهم: العرب، قالوا: ليس محمد على شيء.
واختار أبو جعفر بن جرير أنها عامة تصلح للجميع، وليس ثم دليل قاطع يعين واحدا من هذه الأقوال، فالحمل على الجميع أولى، والله أعلم.
وقوله تعالى: { فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } أي: أنه تعالى يجمع (1) بينهم يوم المعاد، ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة. وهذا كقوله تعالى في سورة الحج: { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد } [الحج: 17] ، وكما قال تعالى: { قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم } [ سبأ:26] .
{ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (114) }
اختلف ال





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الاثنين، 2 مايو 2016

قال ابن كثير/ تفسير/ : { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير (109) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير (110) }

يحذر تعالى (2) عباده المؤمنين عن سلوك طرائق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم. ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح. ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه، كما قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا، إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما: { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم } الآية.
وقال عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، في قوله تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب } قال: هو كعب بن الأشرف.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه: أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه (3) أنزل الله: { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم } إلى قوله: { فاعفوا واصفحوا }
وقال الضحاك، عن ابن عباس: أن رسولا أميا يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل (4) والآيات، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرا وحسدا وبغيا؛ ولذلك قال
__________
(1) في أ: "من".
(2) في جـ: "يحذر تبارك وتعالى".
(3) في ط، ب: "وفيهم".
(4) في جـ، ط، ب: "من الرسل والكتب".
(1/382)
الله تعالى: { كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } يقول: من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحود، فعيرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة، وشرع لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل (1) عليهم وما أنزل من قبلهم، بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم.
وقال الربيع بن أنس: { من عند أنفسهم } من قبل أنفسهم. وقال أبو العالية: { من بعد ما تبين لهم الحق } من بعد ما تبين [لهم] (2) أن محمدا رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدا وبغيا؛ إذ كان من غيرهم. وكذا قال قتادة والربيع والسدي.
وقوله: { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره } مثل قوله تعالى: { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } [آل عمران: 186] .
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره } نسخ ذلك قوله: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وقوله: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } إلى قوله: { وهم صاغرون } [التوبة: 29] فنسخ هذا عفوه عن المشركين. وكذا قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي: إنها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضا قوله: { حتى يأتي الله بأمره }
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان (3) أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير: أن أسامة بن زيد أخبره، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله: { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير } وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول من العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم بقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش (4) .
وهذا إسناده (5) صحيح، ولم أره في شيء من الكتب الستة [ولكن له أصل في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما] (6) .
وقوله تعالى: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } يحث (7) تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة،
__________
(1) في جـ، ط، 





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الأحد، 1 مايو 2016

قال ابن كثير/ تفسير/ : { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) }

نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة، عن كثرة سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } [المائدة: 101] أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه؛ فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة. ولهذا جاء في الصحيح: "إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته" (1) . ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد مع امرأته رجلا فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك؛ فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها. ثم أنزل الله حكم الملاعنة (2) . ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال (3) وفي صحيح مسلم: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن (4) نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" (5) . وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج. فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا. ثم قال، عليه السلام: "لا ولو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم". ثم قال: "ذروني ما تركتكم" الحديث. وهكذا قال أنس بن مالك: نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي (6) الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع (7) .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا أبو كريب، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب.
وقال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثنتي
__________
(1) صحيح البخاري برقم (7289) وصحيح مسلم برقم (2358) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
(2) رواه البخاري في صحيحه برقم (5308، 5259) ومسلم في صحيحه برقم (1492) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
(3) صحيح البخاري برقم (1477) وصحيح مسلم برقم (593).
(4) في ط، ب، أ، و: "وإذا".
(5) صحيح مسلم برقم (1337) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(6) في جـ: "أن يجيء".
(7) رواه مسلم في صحيحه برقم (12).
(1/380)
عشرة مسألة، كلها في القرآن: { يسألونك عن الخمر والميسر } [البقرة:219] ، و { يسألونك عن الشهر الحرام } [البقرة: 217] ، و { ويسألونك عن اليتامى } [البقرة: 220] يعني: هذا وأشباهه (1) .
وقوله تعالى: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل } أي: بل تريدون. أو هي (2) على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعم المؤمنين والكافرين، فإنه، عليه السلام، رسول الله إلى الجميع، كما قال تعالى: { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } [النساء: 153] .
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد [بن جبير] (3) عن ابن عباس، قال: قال رافع بن حريملة -أو وهب بن زيد-: يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك. فأنزل الله من قولهم: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل }
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل } (4) قال: قال رجل: يا رسول الله، لو كانت كفاراتنا كفارات (5) بني إسرائيل! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا نبغيها -ثلاثا-ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، كانت (6) بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة. فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل". قال: { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } [النساء: 110] ، وقال: "الصلوات الخمس من الجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن". وقال: "من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك". فأنزل الله: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل }
وقال مجاهد: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل } أن يريهم الله جهرة، قال: سألت قريش محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا. قال: "نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم"، فأبوا ورجعوا.
وعن السدي وقتادة نحو هذا، والله أعلم.
والمراد أن الله ذم من سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء، على وجه التعنت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى، عليه السلام، تعنتا وتكذيبا وعنادا، قال الله تعالى: { ومن يتبدل الكفر بالإيمان } أي:
__________
(1) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (11/454) من طريق عبد الله بن عمر بن أبان، عن محمد بن فضيل به مطولا.
(2) في جـ: "وقيل بل هي".
(3) زيادة من جـ.
(4) زيادة من جـ، ط.
(5) في أ، و: "ككفارات".
(6) في جـ: "قال: كانت".
(1/381)
ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير (109) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير (110)
من يشتر الكفر بالإيمان { فقد ضل سواء السبيل } أي: فقد خرج عن (1) الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم، إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها، على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار* جهنم يصلونها وبئس القرار } [إبراهيم: 28، 29] .
وقال أبو العالية: يتبدل الشدة بالرخاء.
{ ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير (109) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير (110) }
يحذر تعالى (2) عباده المؤمنين عن سلوك طرائق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم. ويأمر عباده المؤمن





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]