يقول تعالى: إنما شرعنا لك -يا محمد -التوجه أولا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه، أي: مرتدا عن (1) دينه { وإن كانت لكبيرة } أي: هذه الفعلة، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي: وإن كان هذا الأمر عظيما في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنوا بتصديق الرسول، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما شاء (2) ، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكا، كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى: { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم } [ التوبة : 124 ،125] وقال تعالى: { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى } [ فصلت : 44] وقال تعالى: { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } [ الإسراء: 82]. ولهذا كان من (3) ثبت على تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه في ذلك، وتوجه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب، من سادات الصحابة. وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلوا القبلتين.
وقال البخاري في تفسير هذه الآية:
حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء إذ جاء رجل فقال: قد أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها. فتوجهوا إلى الكعبة (4) .
وقد رواه مسلم من وجه آخر، عن ابن عمر (5) . ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري (6) وعنده: أنهم كانوا ركوعا، فاستداروا كما هم إلى الكعبة، وهم ركوع. وكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، مثله (7) ، وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ورسوله، وانقيادهم لأوامر الله عز وجل، رضي الله عنهم أجمعين.
__________
(1) في جـ: "مرتدا على".
(2) في أ: "بما يشاء".
(3) في جـ : "من كان".
(4) صحيح البخاري برقم (4488).
(5) صحيح مسلم برقم (526).
(6) سنن الترمذي برقم (341).
(7) صحيح مسلم برقم (527).
(1/457)
قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144)
وقوله: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك لا يضيع (1) ثوابها عند الله، وفي الصحيح من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن البراء، قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله تعالى: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } (2) .
[ورواه الترمذي عن ابن عباس وصححه (3) ] (4) .
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي: بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعه إلى القبلة الأخرى. أي: ليعطيكم (5) أجرهما جميعا. { إن الله بالناس لرءوف رحيم }
وقال الحسن البصري: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي: ما كان الله ليضيع محمدا صلى الله عليه وسلم وانصرافكم معه حيث انصرف { إن الله بالناس لرءوف رحيم }
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيا من السبي أخذته فألصقته بصدرها، وهي تدور على، ولدها، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أترون هذه طارحة ولدها في النار، وهي تقدر على ألا تطرحه؟" قالوا: لا يا رسول الله. قال: "فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها" (6) .
{ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144) }
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا، وكان يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله: { قد نرى تقلب وجهك في السماء } إلى قوله: { فولوا وجوهكم شطره } فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: { ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب [يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم] (7) } وقال: { فأينما تولوا فثم وجه الله } [البقرة: 115] وقال الله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه }
__________
(1) في ط، أ: "ما يضيع".
(2) سبق تخريج الحديث قريبا.
(3) سنن الترمذي برقم (2964).
(4) زيادة من جـ، ط، أ.
(5) في أ: "ليضيعنكم" وفي و: "ليعطينكم".
(6) صحيح البخاري برقم (5999) وصحيح مسلم برقم (2754).
(7) زيادة من ط.
(1/458)
وروى ابن مردريه من حديث القاسم العمري، عن عمه عبيد الله بن عمر، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء فأنزل الله: { فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام } إلى الكعبة إلى الميزاب، يؤم به جبرائيل (1) عليه السلام.
وروى الحاكم، في مستدركه، من حديث شعبة عن يعلى بن عطاء، عن يحيى بن قمطة قال: رأيت عبد الله بن عمرو (2) جالسا في المسجد الحرام، بإزاء الميزاب، فتلا هذه الآية: { فلنولينك قبلة ترضاها } قال: نحو ميزاب الكعبة.
ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (3) .
ورواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن عرفة، عن هشيم، عن يعلى بن عطاء، به.
وهكذا قال غيره، وهو أحد قولي الشافعي، رحمه الله: إن الغرض إصابة عين القبلة. والقول الآخر وعليه الأكثرون: أن المراد المواجهة (4) كما رواه الحاكم من حديث محمد بن (5) إسحاق، عن عمير بن زياد الكندي، عن علي، رضي الله عنه، { فول وجهك شطر المسجد الحرام } قال: شطره: قبله. ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وهذا قول أبي العالية، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس، وغيرهم. وكما تقدم في الحديث الآخر: ما بين المشرق والمغرب قبلة.
[وقال القرطبي: روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي (6) "] (7) .
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين:
حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه قبلته قبل البيت وأنه صلى صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان يصلي معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت (8) .
__________
(1) في ط: "جبريل".
(2) في أ: "بن عمر".
(3) المستدرك (2/269).
(4) في ط، أ، و: "الوجهة".
(5) في ط: "محمد أبي".
(6) رواه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 9 ، 10) من طريق عمر بن حفص عن ابن جريج به، وقال البيهقي: "تفرد به عمر بن حفص المكي وهو ضعيف لا يحتج به، وروى بإسناد آخر ضعيف، عن عبد الله بن حبش كذلك مرفوعا، ولا يحتج بمثله، والله أعلم".
(7) زيادة من ج، ط،أ.
(8) رواه البخاري في صحيحه برقم (4486) عن أبي نعيم.
(1/459)
وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء [قال] (1) لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يحول نحو الكعبة، فنزلت: { قد نرى تقلب وجهك في السماء [فلنولينك قبلة ترضاها] (2) } فصرف إلى الكعبة.
وروى النسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنمر على المسجد فنصلي فيه، فمررنا يوما -ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر -فقلت: لقد حدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها } حتى فرغ من الآية. فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى، فتوارينا فصليناهما. ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فصلى للناس الظهر يومئذ (3) .
وكذا روى ابن مردويه، عن ابن عمر: أن أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة صلاة الظهر، وأنها الصلاة الوسطى. والمشهور أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا رجاء بن محمد السقطي، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إبراهيم بن جعفر، حدثني أبي، عن جدته أم أبيه نويلة بنت مسلم، قالت: صلينا الظهر -أو العصر (4) -في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان (5) الرجال، والرجال مكان (6) النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلون (7) البيت الحرام. فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أولئك رجال يؤمنون بالغيب" (8) .
وقال ابن مردويه أيضا: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا قيس، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن أوس قال: بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس، ونحن ركوع، إذ أتى مناد بالباب: أن القبلة قد حولت إلى الكعبة. قال: فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحول هو والرجال والصبيان، وهم ركوع، نحو الكعبة (9) .
وقوله: { وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره } أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ولا يستثنى من هذا شيء، سوى النافلة في حال السفر، فإنه
__________
(1) زيادة من جـ، ط، و.
(2) زيادة من جـ.
(3) سنن النسائي الكبرى (11004).
(4) في جـ: "الظهر والعصر".
(5) في أ: "موضع".
(6) في أ: "موضع".
(7) في أ: "ونحن مستقبلو".
(8) المعجم الكبير (25/43) وقال الهيثمي في المجمع (2/14) "فيه إسحاق بن إدريس الأسواري وهو ضعيف متروك".
(9) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (1/335) عن شبابة عن قيس عن زياد به
(1/460)
ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين (145)
يصليها حيثما توجه قالبه، وقلبه نحو الكعبة. وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده، وإن كان مخطئا في نفس الأمر، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها.
مسألة: وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة، قال المالكية لقوله: { فول وجهك شطر المسجد الحرام } فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء وهو ينافي كمال القيام. وقال بعضهم: ينظر المصلي في قيامه إلى صدره. وقال شريك القاضي: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة، لأنه أبلغ في الخضوع وآكد في الخشوع وقد ورد به الحديث، وأما في حال ركوعه فإلى موضع قدميه، وفي حال سجوده إلى موضع أنفه وفي حال قعوده إلى حجره.
وقوله: { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم } أي: واليهود -الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس -يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها، بما في كتبهم عن أنبيائهم، من النعت والصفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته، وما خصه الله تعالى به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا؛ ولهذا يهددهم تعالى بقوله: { وما الله بغافل عما يعملون } (1) .
{ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين (145) }
المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]