الثلاثاء، 19 يونيو 2018

قال ابن كثير:تفسير قوله تعالى { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (13) }

قال ابن كثير:تفسير قوله تعالى { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (13) }
يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين: { ستغلبون } أي: في الدنيا، { وتحشرون } أي: يوم القيامة { إلى جهنم وبئس المهاد } .
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن (1) يسار، عن عاصم بن عمر بن قتادة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: " يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله ما (2) أصاب قريشا". فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو (3) قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا؟ فأنزل الله في ذلك من قولهم: { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } إلى قوله: { لعبرة (4) لأولي الأبصار } (5) .
وقد رواه ابن إسحاق أيضا، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس فذكره؛ ولهذا قال تعالى: { قد كان لكم آية } أي: قد كان لكم -أيها اليهود القائلون ما قلتم -{ آية } أي: دلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومعل أمره { في فئتين } أي: طائفتين { التقتا } أي: للقتال { فئة تقاتل في سبيل الله } وهم المسلمون، { وأخرى كافرة } وهم مشركو قريش يوم بدر.
وقوله: { يرونهم مثليهم رأي العين } قال بعض العلماء -فيما حكاه ابن جرير: يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم، أي: جعل الله ذلك فيما رأوه سببا لنصرة الإسلام عليهم. وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة، وهي أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئذ قبل القتال يحزر (6) لهم المسلمين، فأخبرهم بأنهم ثلاثمائة، يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا. وهكذا كان الأمر، كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ثم لما وقع القتال أمدهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم.
والقول الثاني: " أن المعنى في قوله: { يرونهم مثليهم رأي العين } أي: ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم، أي: ضعفيهم في العدد، ومع هذا نصرهم (7) الله عليهم. وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي، عن ابن عباس أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا والمشركين (8) كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلا. وكأن هذا القول مأخوذ من ظاهر هذه الآية، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس، وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف كما رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأل ذلك العبد
__________
(1) في ر: "عن".
(2) في جـ، ر: "بما".
(3) في جـ، ر: "إن".
(4) في ر، و: "عبرة".
(5) السيرة لابن إسحاق (ق 162 ظاهرية).
(6) في أ، و: "يحرز".
(7) في أ: "نصر".
(8) في جـ، ر، أ: "والمشركون".
(2/17)
الأسود لبني الحجاج عن عدة قريش، فقال: كثير، قال: "كم ينحرون كل يوم؟" قال: يوما تسعا (1) ويوما عشرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "القوم ما بين التسعمائة إلى الألف" (2) .
وروى (3) أبو إسحاق السبيعي، عن حارثة، عن علي، قال: كانوا ألفا، وكذا قال ابن مسعود. والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وعلى كل تقدير فقد كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، وعلى هذا فيشكل هذا القول والله أعلم. لكن وجه ابن جرير هذا، وجعله صحيحا كما تقول: عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليها، وتكون (4) محتاجا إلى ثلاثة آلاف، كذا قال. وعلى هذا فلا إشكال.
لكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين، وهو أن يقال: ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في قصة بدر: { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا } ؟ [ الأنفال : 44 ] والجواب: أن هذا كان في حال، والآخر كان في حال (5) أخرى، كما قال السدي، عن [مرة] الطيب (6) عن ابن مسعود في قوله: { قد كان لكم آية في فئتين التقتا [فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين ] (7) } الآية، قال: هذا يوم بدر. قال عبد الله بن مسعود: وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا، وذلك قوله (8) تعالى: { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم } .
وقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي (9) تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة. قال: فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا. فعندما عاين كل الفريقين الآخر رأى المسلمون المشركين مثليهم، أي: أكثر منهم بالضعف، ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم، عز وجل. ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل التصاف (10) والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، ليقدم كل منهما على الآخر.
{ ليقضي الله أمرا كان مفعولا } أي: ليفرق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإيمان على الكفر، ويعز المؤمنين ويذل الكافرين، كما قال تعالى: { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } [ آل عمران : 123 ] وقال هاهنا: { والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } أي: إن في ذلك لمعتبرا لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكم الله وأفعاله، وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
__________
(1) في جـ، ر، أ: "قال ينحرون يوما تسعا".
(2) السيرة النبوية لابن هشام (1/616).
(3) في أ: "قال".
(4) في أ:"ويكون".
(5) في أ، و: "حالة".
(6) في هـ: "عن الطيب".
(7) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(8) في جـ، ر، أ، و: "قول".
(9) في جـ، ر: "جنبي".
(10) في أ، و: "المصاف".
(2/18)
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب (14) قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (15)





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الأربعاء، 9 مايو 2018

قال ابن كثير قوله تعالى: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب (7) ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (8) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (9) }


يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى. ومن عكس انعكس؛ ولهذا قال تعالى: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب } أي: أصله
__________
(1) في جـ، ر: "آياته".
(2) زيادة من جـ.
(3) زيادة من جـ، و.
(4) زيادة من جـ.
(2/6)
الذي يرجع إليه عند الاشتباه { وأخر متشابهات } أي: تحتمل (1) دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل (2) شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد.
وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه، فروي عن السلف عبارات كثيرة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس [أنه قال] (3) المحكمات ناسخه، وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وما يؤمر (4) به ويعمل به.
وكذا روي عن عكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والسدي أنهم قالوا: المحكم الذي يعمل به.
وعن ابن عباس أيضا أنه قال: المحكمات [في] (5) قوله تعالى: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا } [ الأنعام : 151 ] والآيتان بعدها، وقوله تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } [ الإسراء : 23] إلى ثلاث آيات بعدها. رواه ابن أبي حاتم، وحكاه عن سعيد بن جبير [ثم] (6) قال: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية: { هن (7) أم الكتاب } فقال أبو فاختة: فواتح السور. وقال يحيى بن يعمر: الفرائض، والأمر والنهي، والحلال والحرام (8) .
وقال ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير: { هن أم الكتاب } يقول: أصل الكتاب، وإنما سماهن أم الكتاب؛ لأنهن مكتوبات في جميع الكتب.
وقال مقاتل بن حيان: لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن.
وقيل في المتشابهات: إنهن المنسوخة، والمقدم منه والمؤخر، والأمثال فيه والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به. رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
وقيل: هي الحروف المقطعة في أوائل السور، قاله مقاتل بن حيان.
وعن مجاهد: المتشابهات يصدق بعضهن بعضا. وهذا إنما هو في تفسير قوله: { كتابا متشابها مثاني } [ الزمر : 23 ] هناك ذكروا: أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار ثم حال (9) الفجار، ونحو ذلك فأما هاهنا فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم.
وأحسن ما قيل فيه الذي قدمناه، وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار، رحمه الله، حيث قال: { منه آيات محكمات هن أم الكتاب } فيهن حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن (10) عليه.
قال: والمتشابهات في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا (11) يصرفن إلى الباطل، ولا يحرفن عن الحق.
__________
(1) في أ، ر: "يحتمل".
(2) في أ، ر: "يحتمل".
(3) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(4) في جـ، ر: "يؤمن".
(5) زيادة من جـ، ر.
(6) زيادة من أ، و.
(7) في ر: "هي".
(8) تفسير ابن أبي حاتم (2/55).
(9) في و: "وحال".
(10) في أ: "وصفن".
(11) في جـ: "لا".
(2/7)
ولهذا قال تعالى: { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل { فيتبعون ما تشابه منه } أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه (1) فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال: { ابتغاء الفتنة } أي: الإضلال لأتباعهم، إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله [تعالى] (2) { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } [الزخرف : 59] وبقوله: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } [ آل عمران : 59 ] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد، ورسول من رسل الله.
وقوله: { وابتغاء تأويله } أي: تحريفه على ما يريدون (3) وقال مقاتل والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من (4) القرآن.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات [فأماالذين في قلوبهم زيغ] (5) } إلى قوله: { أولو الألباب } فقال: "فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم (6) .
هكذا وقع هذا الحديث في مسند الإمام أحمد، رحمه الله، من رواية ابن أبي مليكة، عن عائشة، ليس بينهما أحد.
وهكذا رواه ابن ماجة من طريق إسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي، كلاهما عن أيوب، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عنها (7) .
ورواه محمد بن يحيى العبدي في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، به. وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر (8) عن أيوب. وكذا رواه غير واحد عن أيوب. وقد رواه ابن حبان في صحيحه، من حديث أيوب، به.
وتابع أيوب أبو عامر الخزاز (9) وغيره عن ابن أبي مليكة، فرواه الترمذي عن بندار، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي عامر الخزاز، فذكره. وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه، عن حماد بن يحيى الأبح، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة. ورواه ابن جرير، من حديث روح بن القاسم ونافع بن عمر الجمحي، كلاهما عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به. وقال نافع في روايته عن ابن أبي مليكة: حدثتني عائشة، فذكره (10) .
__________
(1) في جـ: "تصرفونه".
(2) زيادة من جـ، ر.
(3) في أ: "يريدونه".
(4) في جـ، ر، أ: "في".
(5) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(6) في أ: "فاحذرهم".
(7) المسند (6/48) وابن ماجة في السنن برقم (47).
(8) في ر: "يعمر".
(9) في هـ، جـ، ر، أ: "الخراز"
(10) عبد الرزاق في تفسيره برقم (376) وابن حبان في صحيحه (1/47) "الإحسان" والترمذي في السنن برقم (2993) وسعيد بن منصور في السنن برقم (492) وابن جرير في تفسيره (6/191).
(2/8)
وقد روى هذا الحديث البخاري، رحمه الله، عند تفسير هذه الآية، ومسلم في كتاب القدر من صحيحه، وأبو داود في السنة من سننه، ثلاثتهم، عن القعنبي، عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات [هن أم الكتاب وأخر متشابهات ] (1) } إلى قوله: { وما يذكر إلا أولو الألباب } قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" لفظ البخاري (2) .
وكذا رواه الترمذي أيضا، عن بندار، عن أبي داود الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم التستري، به. وقال: حسن صحيح. وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد، وقد رواه غير واحد عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، ولم يذكروا القاسم. كذا قال (3) .
ورواه ابن المنذر في تفسيره من طريقين عن النعمان بن محمد بن الفضل السدوسي -ولقبه عارم-حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به (4) .
وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحماد بن سلمة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم" (5) .
وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد (6) بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: نزع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية: { فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد حذركم الله، فإذا رأيتموهم فاعرفوهم". ورواه ابن مردويه من طريق أخرى، عن القاسم، عن عائشة به (7) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد، عن أبي غالب قال: سمعت أبا أمامة يحدث، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { فأماالذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه } قال: "هم الخوارج"، وفي قوله: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } .[آل عمران : 106] قال: "هم الخوارج".
وقد رواه ابن مردويه من غير وجه، عن أبي غالب، عن أبي أمامة مرفوعا، فذكره (8) .
__________
(1) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(2) البخاري في صحيحه برقم (4547) ومسلم برقم (2665) وأبو داود في السنن برقم (4598).
(3) سنن الترمذي برقم (2993، 2994).
(4) تفسير ابن المنذر كما في الدر (2/148) ورواه البيهقي في دلائل النبوة (6/546) من طريق حماد بن زيد، به.
(5) تفسير ابن أبي حاتم (2/64)، ومسند الطيالسي برقم (1433).
(6) في أ: "أبو الوليد".
(7) تفسير الطبري (6/192)، ورواه الآجري في الشريعة (ص 332).
(8) أحمد في المسند (5/262) ورواه الطبراني في الكبير (8/325) وابن أبي حاتم في تفسيره (2/60) من طريق أبي غالب به.
(2/9)
وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح؛ فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة، فقال قائلهم -وهو ذو الخويصرة-بقر الله خاصرته-اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني". فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب -وفي رواية: خالد بن الوليد-[ولا بعد في الجمع] (2) -رسول الله في قتله، فقال: "دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا-أي: من جنسه -قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا (3) لمن قتلهم .
ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب، وقتلهم (4) بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق في قوله: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة" قالوا: [من] (5) هم يا رسول الله؟ قال: " من كان على ما أنا عليه وأصحابي" أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة (6) .
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن عن جندب بن عبد الله أنه بلغه، عن حذيفة -أو سمعه منه-يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر: " إن في أمتي قوما يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله". [لم] (7) يخرجوه (8) .
[وقوله] (9) { وما يعلم تأويله إلا الله } اختلف القراء في الوقف هاهنا، فقيل: على الجلالة، كما تقدم عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه (10) العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل. ويروى هذا القول عن عائشة، وعروة، وأبي الشعثاء، وأبي نهيك، وغيرهم.
وقد قال الحافظ أبو القاسم في المعجم الكبير: حدثنا هاشم بن مرثد (11) حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال
__________
(1) في و: "النبي".
(2) زيادة من جـ، ر.
(3) في ر: "أجر" وهو خطأ.
(4) في جـ، ر: "فقتلهم".
(5) في جـ، ر: "ومن".
(6) المستدرك (1/28) من حديث عبد الله بن عمرو، والزيادة هي قوله: "كلها في النار إلا واحدة"، وقد ضعفها ابن الوزير ونسبه إلى ابن حزم، وللشيخ ناصر الألباني بحث أثبت فيه صحة هذه الزيادة فليراجع السلسلة الصحيحة برقم (204).
(7) في جـ: "ولم".
(8) وذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (3/300) وعزاه لأبي يعلى، لكنه ذكره من حديث عائشة.
(9) زيادة من و.
(10) في ر: "يعرفه".
(11) في هـ، جـ، ر، أ: "مزيد".
(2/10)
فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب (1) فيأخذه (2) المؤمن يبتغي تأويله، { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به [كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب] (3) } الآية، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه " غريب جدا (4) وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا أحمد بن عمرو، أخبرنا هشام بن عمار، أخبرنا ابن أبي حاتم (5) عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابن العاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به" (6) .
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: كان ابن عباس يقرأ: "وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون: آمنا به" (7) وكذا رواه ابن جرير، عن عمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس: أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله. وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: "إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به". وكذا عن أبي بن كعب. واختار ابن جرير هذا القول.
ومنهم من يقف على قوله: { والراسخون في العلم } وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد.
وقد روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به. وكذا قال الربيع بن أنس.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { وما يعلم تأويله } الذي أراد ما أراد { إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به } ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه (8) بعضا، فنفذت الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودفع به الكفر.
وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
ومن العلماء من فصل في هذا المقام، فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان، أحدهما: التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: { ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا } [ يوسف : 100] وقوله (9) { هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله } [ الأعراف : 53] أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد
__________
(1) في ر، أ: "الكتب" وفي و: "تفتح لهم الكتب".
(2) في جـ: "ليأخذ".
(3) زيادة من أ، و.
(4) الطبراني في الكبير (3/292) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/128): "فيه محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه ولم يسمع من أبيه".
(5) في جـ، ر، أ، و: "حازم".
(6) ورواه ابن الضريس في فضائل القرآن، وابن سعد في الطبقات الكبرى (4/1/197) وإسناده حسن.
(7) عبد الرزاق في تفسيره برقم (377).
(8) في جـ: "بعضهم".
(9) في أ: "وقال".
(2/11)
بالتأويل هذا، فالوقف على الجلالة؛ لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عز وجل، ويكون قوله: { والراسخون في العلم } مبتدأ و { يقولون آمنا به } خبره. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر (1) وهو التفسير والتعبير والبيان عن الشيء كقوله تعالى: { نبئنا بتأويله } [ يوسف : 36 ] أي: بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى، فالوقف على: { والراسخون في العلم } لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا فيكون قوله: { يقولون آمنا به } حالا (2) منهم، وساغ هذا، وهو أن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه، كقوله: { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم } إلى قوله: { [والذين جاءوا من بعدهم ] (3) يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا [الذين سبقونا بالإيمان] (4) } الآية [ الحشر : 8-10 ]، وكقوله تعالى: { وجاء ربك والملك صفا صفا } [الفجر : 22 ] أي: وجاءت الملائكة صفوفا صفوفا.
وقوله إخبارا عنهم أنهم { يقولون آمنا به } أي: بالمتشابه { كل من عند ربنا } أي: الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد لقوله: { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } [ النساء : 82 ] ولهذا قال تعالى: { وما يذكر إلا أولو الألباب } أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا فياض الرقي، حدثنا عبد الله (5) بن يزيد -وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنسا، وأبا أمامة، وأبا الدرداء، رضي الله عنهم، قال: حدثنا أبو الدرداء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم، فقال: "من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن أعف (6) بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم" (7) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عمر بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يتدارءون فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما أنزل (8) كتاب الله ليصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه" (9) .
__________
(1) في أ: "الأخير".
(2) في ر: "حال" وهو خطأ.
(3) زيادة من أ، و.
(4) زيادة من أ، و.
(5) في و: "عبيد الله".
(6) في أ، و: "عف".
(7) تفسير ابن أبي حاتم (2/72) ورواه الطبري (6/207) والطبراني في الكبير كما في الدر (2/151) من طريق عبد الله بن يزيد به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/324): "عبد الله بن يزيد ضعيف".
(8) في جـ، ر، أ، و: "نزل".
(9) المسند (2/185) ورواه ابن ماجة برقم (85) والبغوي في شرح السنة (1/260) من طريق عمرو بن شعيب به. وقال البوصيري في "زوائد ابن ماجة" (1/58): "إسناده صحيح ورجاله ثقات".
(2/12)
و[قد] (1) تقدم رواية ابن مردويه لهذا الحديث، من طريق هشام بن عمار، عن ابن أبي حازم (2) عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، به.
وقد قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده، حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أنس بن عياض، عن أبي حازم، عن أبي سلمة قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة، أن (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر -ثلاثا-ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه".
وهذا إسناد صحيح، ولكن فيه علة بسبب قول الراوي: "لا أعلمه إلا عن أبي هريرة" (4) .
وقال ابن المنذر في تفسيره: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني نافع بن يزيد قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله، المتذللون لله في مرضاته، لا يتعاطون (5) من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. [ولهذا قال تعالى: { وما يذكر إلا أولو الألباب } أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة أو الفهوم المستقيمة] (6) .
ثم قال تعالى عنهم مخبرا أنهم (7) دعوا ربهم قائلين: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } أي: لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم { وهب لنا من لدنك } أي: من عندك { رحمة } تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانا وإيقانا { إنك أنت الوهاب }
قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي -وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب -قالا جميعا: حدثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" ثم قرأ: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } رواه ابن مردويه من طريق محمد بن بكار، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، وهي (8) أسماء بنت يزيد (9) بن السكن، سمعها تحد ث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه: "اللهم مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك" قالت: قلت: يا رسول الله، وإن القلب ليتقلب (10) ؟ قال: "نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه". فنسأل الله ربنا ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب.
وهكذا رواه ابن جرير من حديث أسد بن موسى، عن عبد الحميد بن بهرام، به مثله. ورواه أيضا عن المثنى، عن الحجاج بن منهال، عن عبد الحميد بن بهرام، به مثله، وزاد: "قلت (11) يا رسول الله،
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في جـ، ر، أ: "حاتم".
(3) في أ: "فإن".
(4) أبو يعلى في المسند برقم (6016) ومن طريقه رواه ابن حبان في صحيحه (1/146) "الإحسان" ورواه أحمد في المسند (2/300) والنسائي في الكبرى (5/33) من طريق أنس بن عياض به. وليس في رواية النسائي الشك "لا أعلمه".
(5) في جـ، أ: "يتعاظمون".
(6) زيادة من جـ، ر،أ.
(7) في جـ، ر: "عنهم".
(8) في و: "عن".
(9) في أ: "زيد".
(10) في و: "ليقلب".
(11) في أ، و: "وزاد: "قالت: قلت".
(2/13)
ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن" (1) .
ثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن هارون بن بكار الدمشقي، أخبرنا العباس بن الوليد الخلال، أخبرنا يزيد بن يحيى بن عبيد الله، أخبرنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج (2) عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعو: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك"، قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء. فقال: "ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه، أما تسمعين قوله: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } . غريب من هذا الوجه، ولكن أصله ثابت في الصحيحين، وغيرهما من طرق كثيرة بدون زيادة ذكر هذه الآية الكريمة.
وقد روى أبو داود والنسائي وابن مردويه، من حديث أبي عبد الرحمن المقري -زاد النسائي وابن حبان: وعبد الله بن وهب، كلاهما عن سعيد بن أبي أيوب حدثني عبد الله بن الوليد التجيبي، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ من الليل قال: "لا إله إلا أنت سبحانك، اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمة، اللهم زدني علما، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب" لفظ ابن مردويه (3) .
وقال عبد الرزاق، عن مالك، عن أبي عبيد -مولى سليمان بن عبد الملك-عن عبادة بن نسي، أنه أخبره، أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي، أنه صلى وراء أبي بكر الصديق المغرب، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين (4) بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل، وقرأ في الركعة الثالثة، قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ (5) بأم القرآن وهذه الآية: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا [وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب] (6) (7) } .
قال أبو عبيد: وأخبرني عبادة بن نسي: أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، فقال عمر لقيس: كيف أخبرتني عن أبي عبد الله الصنابحي فأخبره بما سمع أبا عبد الله ثانيا. قال عمر: فما تركناها منذ سمعناها منه، وإن كنت (8) قبل ذلك لعلى غير ذلك. فقال له رجل: على أي شيء كان
__________
(1) ابن أبي حاتم في تفسيره (2/84) والطبري في تفسيره (6/213) ورواه أحمد في المسند (6/315) والترمذي في السنن (3522) وابن أبي عاصم في السنة برقم (223) من طريق أبي كعب صاحب الحرير عن شهر بن حوشب به. وللحديث شواهد عن عائشة وأنس وجابر والنواس بن سمعان رضي الله عنهم.
(2) في هـ، جـ، ر، أ: "عن حسان الأعرج".
(3) أبو داود في السنن برقم (5061) والنسائي في الكبرى برقم (10701).
(4) في ر: "الأولتين".
(5) في و: "يقرأ أي في الثالثة".
(6) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(7) رواه مالك في الموطأ (1/79).
(8) في أ: "كعب".
(2/14)
أمير المؤمنين قبل ذلك؟ قال: كنت أقرأ { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1] وقد روى هذا الأثر الوليد بن مسلم، عن مالك والأوزاعي، كلاهما عن أبي عبيد، به.ورواه الوليد أيضا، عن ابن جابر، عن يحيى بن يحيى الغساني، عن محمود بن لبيد، عن الصنابحي: أنه صلى خلف أبي بكر، رضي الله عنه، المغرب فقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة، يجهر بالقراءة، فلما قام إلى الثالثة ابتدأ القراءة فدنوت منه حتى إن ثيابي لتمس ثيابه، فقرأ هذه الآية: { ربنا لا تزغ قلوبنا [ بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ] (1) } .
وقوله: { ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد } أي: يقولون في دعائهم: إنك -يا ربنا-ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم (2) فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلا بعمله، وما كان عليه في الدنيا من خير وشر.
__________
(1) زيادة من جـ، ، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(2) في أ، و:"بينهم".
(2/15)
إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار (10) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم و





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

قال ابن كثير : تفسير سورة آل عمران هي مدنية؛ لأن صدرها (1) إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة، كما سيأتي بيان ذلك، إن شاء الله تعالى عند تفسير آية المباهلة منها، وقد ذكرنا ما ورد في فضلها مع سورة البقرة في أول تفسير [سورة] (2) البقرة.


{ الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4) }
وقد ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } و { الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم } عند تفسير آية الكرسي، وتقدم الكلام على قوله تعالى: { الم } في أول سورة البقرة، بما أغنى عن إعادته، وتقدم أيضا الكلام على قوله: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } في تفسير آية الكرسي.
وقوله تعالى { نزل عليك الكتاب بالحق } يعني: نزل عليك القرآن يا محمد { بالحق } أي: لا شك فيه ولا ريب، بل هو منزل من عند الله [عز وجل] (3) أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله (4) شهيدا.
وقوله: { مصدقا لما بين يديه } أي: من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء، فهي تصدقه بما أخبرت به وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها؛ لأنه طابق ما أخبرت به وبشرت، من الوعد من الله بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم، وإنزال القرآن العظيم عليه.
وقوله: { وأنزل التوراة } أي: على موسى بن عمران [عليه السلام] (5) { والإنجيل } أي: على عيسى ابن مريم.
{ من قبل } أي: من قبل هذا القرآن. { هدى للناس } أي: في زمانهما { وأنزل الفرقان } وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره، ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك.
وقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان هاهنا القرآن. واختار ابن جرير أنه مصدر هاهنا؛ لتقدم ذكر
__________
(1) في جـ: "صدورها"، وفي أ: "صورها".
(2) زيادة من أ.
(3) زيادة من جـ، ر.
(4) في جـ، ر: "به".
(5) زيادة من جـ، أ.
(2/5)
إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب (7) ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (8) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (9)
القرآن في قوله: { نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه } وهو القرآن. وأما ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي صالح أن المراد هاهنا بالفرقان: التوراة فضعيف أيضا؛ لتقدم ذكرها، والله أعلم
وقوله تعالى: { إن الذين كفروا بآيات الله } أي: جحدوا بها وأنكروها، وردوها بالباطل { لهم عذاب شديد } أي: يوم القيامة { والله عزيز } أي: منيع الجناب عظيم السلطان { ذو انتقام } أي: ممن كذب بآياته (1) وخالف رسله الكرام، وأنبياءه العظام.
{ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) }
يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماوات والأرض، [و] (2) لا يخفى عليه شيء من ذلك.
{ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } أي: يخلقكم كما يشاء في الأرحام من ذكر وأنثى، [و] (3) حسن وقبيح، وشقي وسعيد { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } أي: هو الذي خلق، وهو المستحق للإلهية وحده لا شريك له، وله العزة التي لا ترام، والحكمة والأحكام.
وهذه الآية فيها تعريض بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر؛ لأن الله [تعالى] (4) صوره في الرحم وخلقه، كما يشاء، فكيف يكون إلها كما زعمته النصارى -عليهم لعائن الله-وقد تقلب في الأحشاء، وتنقل من حال إلى حال، كما قال تعالى: } يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون } [ الزمر : 6]
{ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب (7) ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (8) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (9) }
يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

السبت، 24 مارس 2018

🌕تعليمي🌕لمستخدمي التلغرام رابط تلاوة مجموعة ختمات للقران الكريم بطريقة الاستماع ارباع حزب بدلا من السور للقران الكريم🌕

🌕🌕🌕🌕🌕🌕🌕🌕🌕🌕🌕🌕🌕

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

اما بعد

لمن لديه برنامج التليغرام 

هذا رابط تلاوة مجموعة ختمات للقران الكريم بطريقة الاستماع ارباع حزب بدلا من السور للقران الكريم لتسعة عشر من القراء المشهورين وبالله التوفيق.. وجزى الله خيرا من ساهم واعان على نشره والدال على الخير كفاعله

الرابط

https://t.me/telawat_all_quartars


ملاحظة١:

للاستماع يجب اولا تنزيل برنامج التليغرام بجهازك لتتمكن من الاستماع 

لنظام الايفون نزل البرنامج هنا

https://itunes.apple.com/us/developer/telegram-llc/id686450210



لنظام الاندرويد نزل البرنامج هنا

https://play.google.com/store/apps/details?id=org.telegram.messenger&hl=ar


ملاحظة٢:-

ميزة بالانستغرام يمكنك اختيار الاستماع من الاجزاء الاخيرة فصاعدا الى الفاتحة او العكس من الفاتحة الى الاجزاء الاخيرة حسب اختيارك.


وجزى الله خيرا من ساهم واعان على نشره والدال على الخير كفاعله

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 


الجمعة، 23 مارس 2018

📚تدبر قوله تعالى { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير (285) لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286)

قال ابن كثير: قوله تعالى { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير (285) لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286) } ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما .
الحديث الأول: قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن أبي مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ بالآيتين"، وحدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" (5) .
وقد أخرجه بقية الجماعة من طريق سليمان بن مهران الأعمش، بإسناده، مثله (6) . وهو في الصحيحين من طريق الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عنه، به (7) . وهو في الصحيحين أيضا عن عبد الرحمن، عن علقمة عن أبي مسعود -قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4685) وصحيح مسلم برقم (1768).
(2) في جـ: "عن آمنة".
(3) زيادة من تفسير الطبري (6/117).
(4) سنن الترمذي برقم (2991).
(5) صحيح البخاري برقم (5008).
(6) صحيح مسلم برقم (808) وسنن أبي داود برقم (1397) وسنن الترمذي برقم (2881) وسنن النسائي الكبرى برقم (8019) وسنن ابن ماجة برقم (1368).
(7) صحيح البخاري برقم (5009) وصحيح مسلم برقم (807)؛ ولكنه فيه عن زهير، عن منصور به.
(1/733)
مسعود، فحدثني به (1) .
وهكذا رواه أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن علقمة، عن أبي مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلته كفتاه" (2) .
الحديث الثاني: قال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي، عن خرشة بن الحر، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي" (3) .
وقد رواه ابن مردويه، من حديث الأشجعي، عن الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش" (4) .
الحديث الثالث: قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا مالك بن مغول(ح) وحدثنا ابن نمير، وزهير بن حرب جميعا، عن عبد الله بن نمير -وألفاظهم متقاربة -قال ابن نمير: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن مغول، عن الزبير بن عدي (5) عن طلحة، عن مرة، عن عبد الله، قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، قال: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } [النجم : 16] ، قال: فراش من ذهب. قال: وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات (6) .
الحديث الرابع: قال أحمد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فإني أعطيتهما من تحت العرش". هذا إسناد حسن، ولم يخرجوه في كتبهم (7) .
الحديث الخامس: قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، أخبرنا مسدد (8) أخبرنا أبو (9) عوانة، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضلنا على الناس بثلاث، أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4008) وصحيح مسلم برقم (808).
(2) المسند (4/118).
(3) المسند (5/151).
(4) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (2404) من طريق الأشجعي به.
(5) في أ: "بن علي".
(6) صحيح مسلم برقم (173).
(7) المسند (4/147).
(8) في أ: "أخبرنا مسروق".
(9) في جـ، أ: "عن أبي".
(1/734)
العرش، لم يعطها أحد قبلي، ولا يعطاها أحد بعدي" (1) .
ثم رواه من حديث نعيم بن أبي هندي، عن ربعي، عن حذيفة، بنحوه.
الحديث السادس: قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن نافع، أنبأنا إسماعيل بن الفضل، أخبرنا محمد بن حاتم بن بزيع، أخبرنا جعفر بن عون، عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: لا أرى أحدا عقل الإسلام ينام حتى يقرأ خواتيم سورة البقرة، فإنها كنز أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم من تحت العرش.
ورواه وكيع عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمير بن عمرو الخارفي، عن علي قال: ما أرى أحدا يعقل، بلغه الإسلام، ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز تحت العرش (2) .
الحديث السابع: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا بندار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن الجرمي (3) عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما (4) سورة البقرة، ولا يقرأن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان". ثم قال: هذا حديث غريب. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة به، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (5) (6) .
الحديث الثامن: قال ابن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مدين، أخبرنا الحسن بن الجهم، أخبرنا إسماعيل بن عمرو، أخبرنا ابن أبي مريم، حدثني يوسف بن أبي الحجاج، عن سعيد، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آخر سورة البقرة وآية الكرسي ضحك، وقال: "إنهما من كنز الرحمن تحت العرش". وإذا قرأ: { من يعمل سوءا يجز به } [النساء : 123] ، { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى } [النجم:39-41] ، استرجع واستكان (7) .
الحديث التاسع: قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن كوفي، حدثنا أحمد بن يحيى بن حمزة، حدثنا محمد بن بكر (8) حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن أبي حميد، عن أبي مليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، والمفصل نافلة" (9) .
__________
(1) ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (8022) من طريق آدم بن أبي إياس، عن أبي عوانة به.
(2) ورواه ابن الضريس في فضائل القرآن برقم (169) من طريق أبي إسحاق، عن عمير بن سعيد به، قال النووي: "صحيح على شرط البخاري ومسلم".
(3) في أ: "الصنعاني".
(4) في جـ: "ختم بها".
(5) في أ: "ولم يخرجه".
(6) سنن الترمذي برقم (2882) والمستدرك (1/562).
(7) ذكره السيوطي في الدر المنثور (2/7) وعزاه لابن مردويه، وفي إسناده مجاهيل.
(8) في أ: "بن بكير".
(9) ورواه الحاكم في المستدرك وصححه (1/559) من طريق عبيد الله بن أبي حميد به نحوه، وتعقبه الذهبي بقوله: "فيه عبيد الله بن أبي حميد تركوه".
(1/735)
الحديث العاشر: قد تقدم في فضائل الفاتحة، من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل؛ إذ سمع نقيضا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط. قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته، رواه مسلم والنسائي، وهذا لفظه (1) .
[الحديث الحادي عشر: قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في مسنده: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا أيفع بن عبد الله الكلاعي (2) قال: قال رجل: يا رسول الله، أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: "آية الكرسي: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } قال: فأي آية في كتاب الله تحب أن تصيبك وأمتك؟ قال: "آخر سورة البقرة، ولم يترك خيرا في الدنيا والآخرة إلا اشتملت عليه" (3) ] (4) .
فقوله تعالى: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } إخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
قال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية: "ويحق له أن يؤمن " (5) .
وقد روى الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو النضر الفقيه: حدثنا معاذ بن نجدة القرشي، حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا أبو عقيل، عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حق له أن يؤمن". ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. (6) .
وقوله: { والمؤمنون } عطف على { الرسول } ثم أخبر عن الجميع فقال: { كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله } فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مهديون هادون إلى سبل (7) الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله، حتى نسخ الجميع بشرع محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين.
وقوله: { وقالوا سمعنا وأطعنا } أي: سمعنا قولك يا ربنا، وفهمناه، وقمنا به، وامتثلنا العمل بمقتضاه، { غفرانك ربنا } سؤال للغفر (8) والرحمة واللطف.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب،
__________
(1) صحيح مسلم برقم (806) وسنن النسائي (2/138).
(2) في الإصابة: "أيفع بن عبد الكلاعي".
(3) سنن الدارمي برقم (3380) وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (1/139): "هو مرسل أو معضل".
(4) زيادة من جـ.
(5) تفسير الطبري (6/124).
(6) المستدرك (2/287) وتعقبه الذهبي، قلت: "منقطع"، وذلك لأن يحيى بن أبي كثير رأى أنسا ولم يسمع منه.
(7) في أ: "إلى سبيل".
(8) في جـ، أ: "بالعفو".
(1/736)
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون } إلى قوله: { غفرانك ربنا } قال: قد غفرت لكم، { وإليك المصير } أي: إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن بيان، عن حكيم عن جابر قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه. فسأل: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } إلى آخر الآية (1) .
وقوله: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } أي: لا يكلف أحدا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة، في قوله: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } أي: هو وإن حاسب وسأل لكن لا يعذب إلا بما يملك (2) الشخص دفعه، فأما ما لا يمكن دفعه من وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان.
وقوله: { لها ما كسبت } أي: من خير، { وعليها ما اكتسبت } أي: من شر، وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف، ثم قال (3) تعالى مرشدا عباده إلى سؤاله، وقد تكفل لهم بالإجابة، كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا: { ربنا لا تؤاخذنا إن [نسينا] (4) } أي: إن تركنا فرضا على جهة النسيان، أو فعلنا حراما كذلك، { أو أخطأنا } أي: الصواب في العمل، جهلا منا بوجهه الشرعي.
وقد تقدم في صحيح مسلم لحديث أبي هريرة: "قال الله: نعم" ولحديث (5) ابن عباس قال الله: "قد فعلت".
وروى ابن ماجة في سننه، وابن حبان في صحيحه (6) من حديث أبي عمرو الأوزاعي، عن عطاء -قال ابن ماجة في روايته: عن ابن عباس. وقال الطبراني وابن حبان: عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع (7) عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه". وقد روي من طرق أخر وأعله (8) أحمد وأبو حاتم (9) والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن شهر، عن أم الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ، والنسيان، والاستكراه" قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن، فقال: أجل، أما تقرأ بذلك قرآنا: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } (10) .
__________
(1) في أ، و: "إلى آخر السورة".
(2) في أ، و: "على ما يملك".
(3) في جـ: "وقال".
(4) زيادة من أ، و.
(5) في جـ: "وبحديث".
(6) سنن ابن ماجة برقم (2045) وصحيح ابن حبان برقم (1498) "موارد".
(7) في أ: "إن الله قد وضع".
(8) في جـ، أ، و: "وعلله".
(9) العلل لابن أبي حاتم (1/431) والعلل للإمام أحمد (1/227) وانظر في تفصيل الكلام على الحديث وعلته: جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب (2/361) ط. الرسالة، وفتح الباري للحافظ ابن حجر (5/161).
(10) ورواه ابن عدي في الكامل (3/325) من طريق أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء مرفوعا وليس عنده قول أبي بكر للحسن.
(1/737)
وقوله: { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } أي: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثت نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به، من الدين الحنيف السهل السمح.
وقد ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله: نعم".
وعن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله: قد فعلت". وجاء الحديث من طرق، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بعثت بالحنيفية السمحة" (1) .
وقوله: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } أي: من التكليف والمصائب والبلاء، لا تبتلينا بما لا قبل لنا به.
وقد قال مكحول في قوله: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال: الغربة والغلمة، رواه (2) ابن أبي حاتم، "قال الله: نعم" وفي الحديث الآخر: "قال الله: قد فعلت".
وقوله: { واعف عنا } أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا، { واغفر لنا } أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة، { وارحمنا } أي: فيما يستقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. وقد تقدم في الحديث أن الله قال: نعم. وفي الحديث الآخر: "قال الله: قد فعلت".
وقوله: { أنت مولانا } أي: أنت ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك (3) { فانصرنا على القوم الكافرين } أي: الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة، قال الله: نعم. وفي الحديث الذي رواه مسلم، عن ابن عباس: "قال الله: قد فعلت".
وقال ابن جرير: حدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، أن معاذا، رضي الله عنه، كان إذا فرغ من هذه السورة (4) { فانصرنا على القوم الكافرين } قال: آمين (5) .
ورواه وكيع عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن معاذ بن جبل: أنه كان إذا ختم البقرة قال: آمين (6) .
__________
(1) جاء من حديث أبي أمامة، وابن عباس، وعائشة، وجابر رضي الله عنهم، أصحها حديث ابن عباس رواه الإمام أحمد في المسند (1/236) وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح.
(2) في جـ: "ورواه".
(3) في جـ: "إلا بالله".
(4) في جـ: "من سورة البقرة".
(5) تفسير الطبري (6/146).
(6) جاء في جـ: "آخر تفسير سورة البقرة ولله الحمد والمنة والفضل والثناء الحسن الجميل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، يتلوه إن شاء الله سورة آل عمران".
(1/738)
الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4)
تفسير سورة آل عمران
هي مدنية؛ لأن صدرها (1) إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة، كما





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]