الأحد، 30 أبريل 2017

🌈تدبر قوله تعالى { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (257) }

تدبر قوله تعالى { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (257) }
يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، وأن الكافرين إنما وليهم الشياطين تزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }
ولهذا وحد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } [الأنعام:153] وقال تعالى: { وجعل الظلمات والنور } [الأنعام:1] وقال تعالى: { عن اليمين والشمائل } [النحل:48] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق، وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن ميسرة حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان عن موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد قال: يبعث أهل الأهواء (1) -أو قال: يبعث أهل الفتن-فمن كان هواه الإيمان كانت فتنته بيضاء مضيئة، ومن كان هواه الكفر كانت فتنته سوداء مظلمة، ثم قرأ هذه الآية: { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }
__________
(1) في أ: "الأسواق".
(1/685)
ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين (258)





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الأربعاء، 26 أبريل 2017

🌿تدبر قوله تعالى { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم (256) }

 
يقول تعالى: { لا إكراه في الدين } أي: لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا. وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عاما.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل الله عز وجل: { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي }
وقد رواه أبو داود والنسائي جميعا عن بندار به (2) ومن وجوه أخر عن شعبة به نحوه. وقد رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به (3) ، وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم: أنها نزلت في ذلك.
وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد الجرشي عن (4) زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد [بن جبير] (5) عن ابن عباس قوله: { لا إكراه في الدين } قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصيني كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك.
رواه ابن جرير وروى السدي نحو ذلك وزاد: وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتا فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث في آثارهما، فنزلت هذه الآية.
__________
(1) زيادة من أ، و.
(2) تفسير الطبري (5/407، 408) وسنن أبي داود برقم (2682) وسنن النسائي الكبرى برقم (11048).
(3) صحيح ابن حبان برقم (1725) "موارد".
(4) في و: "مولى".
(5) زيادة من جـ، أ.
(1/682)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عوف أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أسق قال: كنت في دينهم مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب فكان يعرض علي الإسلام فآبى فيقول: { لا إكراه في الدين } ويقول: يا أسق لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين.
وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية. وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام فإن أبى أحد منهم الدخول فيه ولم ينقد له أو يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل. وهذا معنى الإكراه قال الله تعالى: { ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون } [الفتح:16] وقال تعالى: { ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } [التحريم:9] وقال تعالى: { ياأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين } [التوبة:123] وفي الصحيح: "عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل" (1) يعني: الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة.
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن حميد عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "أسلم" قال: إني أجدني كارها. قال: "وإن كنت كارها" (2) فإنه ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل فإنه لم يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام بل دعاه إليه فأخبر أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له: "أسلم وإن كنت كارها فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص".
وقوله: { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم } أي: من خلع الأنداد والأوثان (3) وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله فعبده وحده وشهد أن لا إله إلا هو { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي: فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم.
قال أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو روح البلدي حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق عن حسان -هو ابن فائد العبسي-قال: قال عمر رضي الله عنه: إن الجبت: السحر والطاغوت: الشيطان، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال يقاتل الشجاع عمن لا يعرف ويفر الجبان من (4) أمه، وإن كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه، وإن كان فارسيا أو نبطيا. وهكذا رواه ابن جرير (5) وابن أبي حاتم من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن حسان بن فائد العبسي عن عمر فذكره.
ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان قوي جدا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها.
وقوله: { فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها } أي: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب،
__________
(1) صحيح البخاري برقم (3010) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) المسند (3/181).
(3) في أ: "والأديان".
(4) في جـ، أ، و: "عن".
(5) تفسير الطبري (5/417).
(1/683)
وشبه ذلك بالعروة الوثقى التي لا تنفصم فهي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد ولهذا قال: { فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم } .
قال مجاهد: { فقد استمسك بالعروة الوثقى } يعني: الإيمان. وقال السدي: هو الإسلام وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله. وعن أنس (1) بن مالك: { بالعروة الوثقى } : القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد قال: هو الحب في الله والبغض في الله.
وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها.
وقال معاذ بن جبل في قوله: { لا انفصام لها } أي: لا انقطاع لها دون دخول الجنة.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: { فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها } ثم قرأ: { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } [الرعد:11].
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف حدثنا ابن عون عن محمد عن قيس بن عباد قال: كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فدخل فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة. فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته فلما استأنس (2) قلت له: إن القوم لما دخلت قبل المسجد قالوا كذا وكذا. قال: سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم وسأحدثك لم: إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه: رأيت كأني في روضة خضراء -قال ابن عون: فذكر من خضرتها وسعتها-وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة، فقيل لي: اصعد عليه فقلت: لا أستطيع. فجاءني منصف -قال ابن عون: هو الوصيف (3) -فرفع ثيابي من خلفي، فقال: اصعد. فصعدت حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك بالعروة. فاستيقظت وإنها لفي يدي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه. فقال: "أما الروضة فروضة الإسلام وأما العمود فعمود الإسلام وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإسلام حتى تموت" (4) .
قال: وهو عبد الله بن سلام أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون (5) وأخرجه البخاري من وجه آخر، عن محمد بن سيرين به (6) .
طريق أخرى وسياق آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى وعفان قالا حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة عن المسيب بن رافع عن خرشة بن الحر قال: قدمت المدينة فجلست إلى مشيخة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. فجاء شيخ يتوكأ على عصا له فقال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. فقام خلف سارية فصلى ركعتين فقمت إليه، فقلت له: قال بعض القوم: كذا وكذا. فقال: الجنة لله يدخلها (7) من يشاء وإني رأيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا، رأيت كأن رجلا أتاني فقال: انطلق. فذهبت معه فسلك بي منهجا عظيما فعرضت لي طريق عن يساري، فأردت أن أسلكها. فقال: إنك لست من أهلها. ثم عرضت لي طريق عن
__________
(1) في أ: "وعن يونس".
(2) في جـ: "فلما أنس".
(3) في أ: "هو الوصف".
(4) المسند (5/452).
(5) صحيح البخاري برقم (3813) وصحيح مسلم برقم (2484).
(6) صحيح البخاري برقم (7010).
(7) في جـ: "سيدخلها".
(1/684)
يميني فسلكتها حتى انتهت إلى جبل زلق فأخذ بيدي فزجل (1) فإذا أنا على ذروته، فلم أتقار ولم أتماسك فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فزجل (2) حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك. فقلت: نعم. فضرب العمود برجله فاستمسكت بالعروة، فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "رأيت خيرا أما المنهج العظيم فالمحشر (3) ، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار، ولست من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام فاستمسك بها حتى تموت". قال: فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة. قال: وإذا هو عبد الله بن سلام (4) .
وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن الحسن بن موسى الأشيب كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه (5) . وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر الفزاري به (6) .
__________
(1) في جـ، أ، و: "فدحا بي".
(2) في جـ، أ، و: "فدحا بي".
(3) في جـ: "فالمحن".
(4) المسند (5/452، 453).
(5) سنن النسائي الكبرى برقم (7633) وسنن ابن ماجة برقم (3920).
(6) صحيح مسلم برقم (2484).
(1/685)
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (257)





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الأحد، 16 أبريل 2017

🌿تدبر قوله تعالى { الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم (255) }🌿


هذه آية الكرسي ولها شأن عظيم قد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل آية في كتاب الله. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا سفيان عن سعيد الجريري عن أبي السليل عن عبد الله بن رباح، عن أبي -هو ابن كعب-أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: "أي آية في كتاب الله أعظم"؟ قال: الله ورسوله أعلم. فرددها مرارا ثم قال أبى: آية الكرسي. قال: "ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش" وقد رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن الجريري-به (1) وليس عنده زيادة: "والذي نفسي بيده..." إلخ.
حديث آخر: عن أبي أيضا في فضل آية الكرسي، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا مبشر عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبدة بن أبي لبابة (2) عن عبد الله بن أبي بن كعب: أن أباه أخبره: أنه كان له جرن فيه تمر قال: فكان أبي يتعاهده فوجده ينقص قال: فحرسه (3) ذات ليلة فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم قال: فسلمت عليه فرد السلام. قال: فقلت: ما أنت، جني أم إنسي؟ قال: جني. قلت: ناولني يدك. قال: فناولني، فإذا يد (4) كلب وشعر كلب. فقلت: هكذا خلق الجن؟ قال: لقد علمت الجن ما فيهم أشد مني، قلت: فما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببنا أن نصيب من طعامك. قال: فقال له (5) فما الذي يجيرنا (6) منكم؟ قال: هذه الآية: آية الكرسي. ثم غدا إلى النبي (7) صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق الخبيث".
وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي داود الطيالسي عن حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن الحضرمي بن لاحق، عن محمد بن عمرو بن أبي بن كعب عن جده به (8) . وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عثمان بن غياث (9) قال: سمعت أبا السليل قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحدث الناس حتى يكثروا عليه فيصعد على سطح بيت فيحدث الناس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي آية في القرآن أعظم؟" فقال رجل:
__________
(1) المسند (5/141) وصحيح مسلم برقم (810).
(2) في جـ: "بن أبي كنانة".
(3) في جـ: ""فحرسته".
(4) في جـ، و: "فإذا يده يد".
(5) في أ، و: "فقال له أبي".
(6) في أ: "يحرسنا".
(7) في جـ: "إلى رسول الله".
(8) المستدرك (1/562) وفيه انقطاع، وقد جاء من طريق آخر، فرواه ابن حبان في صحيحه برقم (1724) "موارد" من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن لأبي بن كعب، عن أبيه كعب أنه أخبره فذكر نحوه.
(9) في أ: "بن عتاب".
(1/672)
{ الله لا إله إلا هو } قال: فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، أو قال: فوضع يده بين ثديي فوجدت بردها بين كتفي وقال: "ليهنك العلم يا أبا المنذر" (1) .
حديث آخر: عن الأسفع (2) البكري. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو يزيد القراطيسي حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج أخبرني عمر بن عطاء أن مولى ابن الأسفع (3) -رجل صدق-أخبره عن الأسفع (4) البكري: أنه سمعه يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم } حتى انقضت الآية. (5) .
حديث آخر: عن أنس قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن الحارث حدثني سلمة بن وردان أن أنس بن مالك حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلا من صحابته فقال: "أي فلان هل تزوجت"؟ قال: لا وليس عندي ما أتزوج به. قال: "أوليس معك: { قل هو الله أحد } " ؟ قال: بلى. قال: "ربع القرآن. أليس معك: { قل يا أيها الكافرون } " ؟ قال: بلى. قال: "ربع القرآن. أليس معك { إذا زلزلت } " ؟ قال: بلى. قال: "ربع القرآن أليس معك: { إذا جاء نصر الله[والفتح] (6) } " ؟ قال: بلى. قال: "ربع القرآن. أليس معك آية الكرسي: { الله لا إله إلا هو (7) } " ؟ قال: بلى. قال: "ربع القرآن" (8) .
حديث آخر: عن أبي ذر جندب بن جنادة قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا المسعودي أنبأني أبو عمر الدمشقي عن عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فجلست. فقال: "يا أبا ذر هل صليت؟" قلت: لا. قال: "قم فصل" قال: فقمت فصليت ثم جلست فقال: "يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن" قال: قلت: يا رسول الله أوللإنس شياطين؟ قال: "نعم" قال: قلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال: "خير موضوع من شاء أقل ومن شاء أكثر". قال: قلت: يا رسول الله فالصوم؟ قال: "فرض مجزئ وعند الله مزيد" قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال: "أضعاف مضاعفة". قلت: يا رسول الله فأيها أفضل؟ قال: "جهد من مقل أو سر إلى فقير" قلت: يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال: "آدم" قلت: يا رسول الله ونبي (9) كان؟ قال: "نعم نبي مكلم" قال: قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: "ثلثمائة وبضعة عشر جما غفيرا" وقال مرة: "وخمسة عشر" قال: قلت: يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آية الكرسي: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } " ورواه النسائي (10) .
__________
(1) المسند (5/58).
(2) في جـ، أ: "عن الأسقع".
(3) في جـ: "ابن الأسقع".
(4) في جـ: "عن الأسقع".
(5) المعجم الكبير (1/334) وقال الهيثمي في المجمع (6/321): "فيه راو لم يسم وقد وثق، وبقية رجاله ثقات".
(6) زيادة من و.
(7) في أ: "هو الحي القيوم".
(8) المسند (3/221).
(9) في جـ: "ونبي الله".
(10) المسند (5/178) وسنن الترمذي (8/275).
(1/673)
حديث آخر: عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري، رضي الله عنه وأرضاه قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان (1) عن ابن أبي ليلى عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب: أنه كان (2) في سهوة له، وكانت الغول تجيء فتأخذ فشكاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: "فإذا رأيتها فقل: باسم الله أجيبي رسول الله". قال: فجاءت فقال لها: فأخذها فقالت: إني لا أعود. فأرسلها فجاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما فعل أسيرك؟" قال: أخذتها فقالت لي: إني لا أعود، إني لا أعود. فأرسلتها، فقال (3) : "إنها عائدة" فأخذتها مرتين أو ثلاثا كل ذلك تقول: لا أعود. وأجيء (4) إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: "ما فعل أسيرك؟" فأقول: أخذتها فتقول: لا أعود. فيقول: "إنها عائدة" فأخذتها فقالت: أرسلني وأعلمك شيئا تقوله فلا يقربك شيء: آية الكرسي، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: "صدقت وهي كذوب".
ورواه الترمذي في فضائل القرآن عن بندار عن أبي أحمد الزبيري به (5) ، وقال: حسن غريب.
وقد ذكر البخاري هذه القصة عن أبي هريرة فقال في كتاب "فضائل القرآن" وفي كتاب "الوكالة" وفي "صفة إبليس" من صحيحه: قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو حدثنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه. فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟" قال: قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته وخليت سبيله. قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود" فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه سيعود" فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود. فرحمته وخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟" قلت (6) : يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته فخليت سبيله. قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود" فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود. فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: ما هن (7) . قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما فعل أسيرك البارحة؟" قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله. قال: "ما هي؟" قال: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي
__________
(1) في جـ، أ، و: "قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان".
(2) في جـ: "أنه بات".
(3) في جـ: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم".
(4) في جـ: ."وتجيء"
(5) المسند (5/423) وسنن الترمذي برقم (2880).
(6) في جـ: "فقلت".
(7) في أ، و: "ما هي".
(1/674)
صلى الله عليه وسلم: "أما إنه صدقك (1) وهو كذوب تعلم من تخاطب مذ (2) ثلاث ليال يا أبا هريرة؟" قلت (3) : لا قال: "ذاك شيطان".
كذا رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم (4) وقد رواه النسائي في "اليوم والليلة" عن إبراهيم بن يعقوب عن عثمان بن الهيثم فذكره (5) وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره:
حدثنا محمد بن عبد الله بن عمرويه الصفار، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب أخبرنا مسلم بن إبراهيم أخبرنا إسماعيل بن مسلم العبدي أخبرنا أبو المتوكل الناجي: أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة وكان فيه تمر فذهب يوما ففتح الباب فوجد التمر قد أخذ منه ملء كف ودخل يوما آخر فإذا قد أخذ منه ملء كف ثم دخل يوما آخر ثالثا فإذا قد أخذ منه مثل ذلك. فشكا ذلك أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "تحب أن تأخذ صاحبك هذا؟" قال: نعم. قال: "فإذا فتحت الباب فقل: سبحان من سخرك محمد" (6) فذهب ففتح الباب فقال (7) : سبحان من سخرك محمد (8) . فإذا هو قائم بين يديه قال: يا عدو الله أنت صاحب هذا؟ قال: نعم دعني فإني لا أعود ما كنت آخذا إلا لأهل بيت من الجن فقراء، فخلى عنه ثم عاد الثانية ثم عاد الثالثة. فقلت: أليس قد عاهدتني ألا تعود؟ لا أدعك اليوم حتى أذهب بك إلى النبي (9) صلى الله عليه وسلم قال: لا تفعل فإنك إن تدعني علمتك كلمات إذا أنت قلتها لم يقربك أحد من الجن صغير ولا كبير ذكر ولا أنثى قال له: لتفعلن؟ قال: نعم. قال: ما هن؟ قال: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } قرأ آية الكرسي حتى ختمها فتركه فذهب فأبعد فذكر ذلك أبو هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما علمت أن ذلك كذلك؟".
وقد رواه النسائي عن أحمد بن محمد بن عبيد الله عن شعيب بن حرب عن إسماعيل بن مسلم عن أبي المتوكل عن أبي هريرة به (10) وقد تقدم لأبي بن كعب كائنة مثل هذه أيضا فهذه ثلاث وقائع.
قصة أخرى: قال أبو عبيد في كتاب "الغريب": حدثنا أبو معاوية عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رجل من الإنس فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني ؟ فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخل شيطان؟ فصارعه فصرعه (11) فقال: إني أراك ضئيلا شخيتا (12) كأن ذراعيك ذراعا كلب أفهكذا أنتم أيها الجن. كلكم أم أنت من بينهم؟ فقال: إني بينهم (13) لضليع فعاودني فصارعه (14) فصرعه الإنسي. فقال: تقرأ آية الكرسي فإنه لا يقرؤها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خبخ كخبج (15) الحمار.
__________
(1) في جـ: "صدق".
(2) في و: "من"، وفي أ: "منذ".
(3) في جـ: "قال".
(4) صحيح البخاري برقم (2311 ، 3275).
(5) سنن النسائي الكبرى برقم (10795).
(6) في جـ: "لمحمد".
(7) في جـ: "وقال".
(8) في جـ: "لمحمد".
(9) في جـ: "إلى رسول الله".
(10) سنن النسائي الكبرى برقم (10794).
(11) في جـ، أ، و: "فصرعه عمر".
(12) في جـ: "صحيتا".
(13) في أ، و: "إني منهم".
(14) في جـ: "فصارعن".
(15) في جـ: "وله خنيج كخنيج الحمار".
(1/675)
فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟ فقال: من عسى أن يكون إلا عمر.
قال أبو عبيد: الضئيل: النحيف الجسم والخبج (1) بالخاء المعجمة ويقال: بالحاء المهملة: الضراط (2) .
حديث آخر عن أبي هريرة: قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه: حدثنا علي بن حمشاذ (3) حدثنا بشر بن موسى حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثني حكيم بن جبير الأسدي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه! آية الكرسي".
وكذا رواه من طريق أخرى عن زائدة عن حكيم بن جبير ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (4) كذا قال، وقد رواه الترمذي من حديث زائدة [به] (5) ولفظه: "لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي". ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم فيه شعبة وضعفه (6) .
قلت: وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين وغير واحد من الأئمة وتركه ابن مهدي وكذبه السعدي.
حديث آخر: قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن نافع أخبرنا عيسى بن محمد المروزي أخبرنا عمر بن محمد البخاري، أخبرنا أبي أخبرنا عيسى بن موسى غنجار عن عبد الله بن كيسان، أخبرنا يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر (7) عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب: أنه خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن؟ فقال ابن مسعود: على الخبير سقطت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أعظم آية في القرآن: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } (8) .
حديث آخر في اشتماله على اسم الله الأعظم: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر (9) أخبرنا عبيد الله (10) بن أبي زياد حدثنا شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت (11) : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } و { الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران:1، 2] "إن فيهما اسم الله الأعظم" (12) .
وكذا رواه أبو داود عن مسدد والترمذي عن علي بن خشرم (13) وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة ثلاثتهم عن عيسى بن يونس عن عبيد الله بن أبي زياد به (14) وقال الترمذي: حسن صحيح.
__________
(1) في جـ: "والخنيج".
(2) غريب الحديث لأبي عبيد (3/316).
(3) في أ: "حماد" وفي و: "جمشاذ".
(4) المستدرك (2/259).
(5) زيادة من جـ، أ، و.
(6) المستدرك (2/259).
(7) في أ: "ابن معمر".
(8) ورواه الجورقاني في الأباطيل برقم (712) من طريق عيسى بن موسى غنجار به.
(9) في أ: "بن بكير".
(10) في جـ، أ: "عبد الله".
(11) في جـ: "قال".
(12) المسند (6/461).
(13) في أ، و: "ابن حزم".
(14) سنن أبي داود برقم (1496) وسنن الترمذي برقم (3478) وسنن ابن ماجة برقم (3855).
(1/676)
حديث آخر في معنى هذا عن أبي أمامة رضي الله عنه: قال ابن مردويه: أخبرنا عبد الرحمن بن نمير أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل أخبرنا هشام بن عمار أخبرنا الوليد بن مسلم، أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زيد: أنه سمع القاسم بن عبد الرحمن يحدث عن أبي أمامة يرفعه قال: "اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة وآل عمران وطه" وقال هشام -وهو ابن عمار خطيب دمشق-: أما البقرة فـ { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } وفي آل عمران: { الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم } وفي طه: { وعنت الوجوه للحي القيوم } [طه:111] (1) .
حديث آخر عن أبي أمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة: قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن محرز بن مساور الأدمي أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن أخبرنا الحسين بن بشر (2) بطرسوس أخبرنا محمد بن حمير أخبرنا محمد بن زياد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت".
وهكذا رواه النسائي في "اليوم والليلة" عن الحسين بن بشر به (3) وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث محمد بن حمير وهو الحمصي من رجال البخاري أيضا فهو إسناد على شرط البخاري، وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي أنه حديث موضوع (4) فالله أعلم. وقد روى ابن مردويه من حديث علي (5) والمغيرة بن شعبة (6) وجابر بن عبد الله نحو هذا الحديث. ولكن في إسناد كل منها ضعف.
وقال ابن مردويه أيضا: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري أخبرنا يحيى بن درستويه المروزي (7) أخبرنا زياد بن إبراهيم أخبرنا أبو حمزة السكري عن المثنى عن قتادة عن الحسن عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أوحى الله إلى موسى بن عمران عليه السلام أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة فإنه من يقرؤها في دبر كل صلاة مكتوبة أجعل له (8) قلب الشاكرين ولسان الذاكرين وثواب المنيبين (9) وأعمال الصديقين ولا يواظب على ذلك إلا نبي أو صديق أو عبد امتحنت (10) قلبه للإيمان أو أريد قتله في سبيل الله" (11) وهذا حديث منكر جدا.
حديث آخر في أنها تحفظ من قرأها أول النهار وأول الليل: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا يحيى بن المغيرة أبو سلمة المخزومي المديني أخبرنا ابن أبي فديك عن عبد الرحمن المليكي عن
__________
(1) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (8/282) والطحاوي في مشكل الآثار برقم (176) من طرق عن هشام بن عمار به نحوه.
(2) في أ: "بشير".
(3) سنن النسائي الكبرى برقم (9928).
(4) الموضوعات (1/244).
(5) حديث علي رواه أيضا البيهقي في شعب الإيمان برقم (2395) من طريق نهشل عن أبي إسحاق الهمداني عن حبة العرني عن علي رضي الله عنه.
(6) حديث المغيرة رواه أبو نعيم في الحلية (3/221) من طريق عمر بن إبراهيم عن محمد بن كعب، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
(7) في جـ: "بن ساسويه المروبي".
(8) في جـ: "جعل الله".
(9) في جـ: "وثواب النبيين".
(10) في أ: "متحبب".
(11) وفيه محمد بن الحسن النقاش، قال البرقاني كل حديثه منكر. وقال الخطيب: حديثه مناكير. وروى نحوه من حديث جابر رضي الله عنه لكنه ضعيف.
(1/677)
زرارة بن مصعب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ: { حم } المؤمن إلى: { إليه المصير } وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح" ثم قال: هذا حديث غريب وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة المليكي من قبل حفظه (1) .
وقد ورد في فضيلتها (2) أحاديث أخر تركناها اختصارا لعدم صحتها وضعف أسانيدها كحديث على قراءتها عند الحجامة: أنها تقوم مقام حجامتين وحديث أبي هريرة في كتابتها في اليد اليسرى بالزعفران سبع مرات وتلحس للحفظ وعدم النسيان أوردهما ابن مردويه وغير ذلك. وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة.
فقوله: { الله لا إله إلا هو } إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق { الحي القيوم } أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدا القيم لغيره وكان عمر يقرأ: "القيام" فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها ولا قوام لها بدون أمره كقوله: { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره } [الروم:25] وقوله: { لا تأخذه سنة ولا نوم } أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه بل هو قائم على كل نفس بما كسبت شهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه خافية (3) ، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم، فقوله: { لا تأخذه } أي: لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس ولهذا قال: { ولا نوم } لأنه أقوى من السنة. وفي الصحيح عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل وعمل الليل قبل عمل النهار حجابه النور -أو النار-لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (4) .
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر أخبرني الحكم بن أبان عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: { لا تأخذه سنة ولا نوم } أن موسى عليه السلام سأل الملائكة هل ينام الله عز وجل؟ فأوحى الله إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا (5) فلا يتركوه ينام ففعلوا ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما. قال: فجعل ينعس وهما في يده (6) في كل يد واحدة قال: فجعل ينعس وينبه (7) وينعس وينبه (8) حتى نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله عز وجل يقول: فكذلك السموات والأرض في يديه.
وهكذا رواه ابن جرير عن الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق فذكره (9) وهو من أخبار بني إسرائيل وهو مما يعلم أن موسى عليه السلام لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله عز وجل وأنه منزه عنه.
__________
(1) سنن الترمذي برقم (2879).
(2) في أ: "في فضلها".
(3) في أ: "عليه شيء".
(4) صحيح مسلم برقم (179).
(5) في أ: "قليلا".
(6) في أ: "يديه".
(7) في أ: "وينتبه".
(8) في أ: "وينتبه".
(9) تفسير الطبري (5/393).
(1/678)
وأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير:
حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا هشام بن يوسف عن أمية بن شبل عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى عليه السلام على المنبر، قال: "وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما". قال: "فجعل ينام تكاد يداه تلتقيان فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى، حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان" قال: "ضرب الله له مثلا عز وجل: أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض" (1) .
وهذا حديث غريب جدا والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي حدثني أبي عن أبيه حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله. فناداه ربه عز وجل: يا موسى سألوك: هل ينام ربك فخذ زجاجتين في يديك فقم الليلة ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا. فقال: يا موسى، لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك. وأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم آية الكرسي.
وقوله: { له ما في السماوات وما في الأرض } إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله:
{ إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } [مريم: 93-95] .
وقوله: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } كقوله: { وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } [النجم:26] وكقوله: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } [الأنبياء:28] وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع عنده إلا بإذنه له (2) في الشفاعة كما في حديث الشفاعة: "آتي تحت العرش فأخر (3) ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع" قال: "فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة" (4) .
وقوله: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات: ماضيها وحاضرها ومستقبلها كقوله إخبارا عن الملائكة: { وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا } [مريم:64] .
وقوله: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } أي: لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا
__________
(1) تفسير الطبري (5/394) وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة أمية بن شبل: "له حديث منكر رواه عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبي هريرة مرفوعا قال: "وقع في نفس موسى عليه السلام: هل ينام الله؟" الحديث رواه هشام بن يوسف وخالفه معمر، عن الحكم عن عكرمة فوقفه، وهذا أقرب ولا يسوغ أن يكون هذا وقع في نفس موسى عليه السلام وإنما روى أن بني إسرائيل سألوا موسى عن ذلك".
(2) في أ، و: "إلا أن يأذن له".
(3) في أ، و: "فأخر لله".
(4) حديث الشفاعة مخرج في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه، وسيأتي سياقه وذكر طرقه عند تفسير الآية: 79 من سورة الإسراء.
(1/679)
بما أعلمه الله عز وجل وأطلعه عليه. ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه كقوله: { ولا يحيطون به علما } [طه:110] .
وقوله: { وسع كرسيه السماوات والأرض } قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا ابن إدريس عن مطرف بن طريف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: { وسع كرسيه } قال: علمه، وكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن إدريس وهشيم كلاهما عن مطرف بن طريف به.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله. ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: الكرسي موضع القدمين ثم رواه عن أبي موسى والسدي والضحاك ومسلم البطين.
وقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم عن سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله: { وسع كرسيه السماوات والأرض } قال: "كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل".
كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاس، فذكره (1) وهو غلط وقد رواه وكيع في تفسيره: حدثنا سفيان عن عمار الدهني (2) عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر أحد قدره. وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي عن محمد بن معاذ عن أبي عاصم عن سفيان -وهو الثوري-بإسناده عن ابن عباس موقوفا مثله وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (3) وقد رواه ابن مردويه من طريق الحاكم بن ظهير الفزاري الكوفي -وهو متروك-عن السدي عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا ولا يصح أيضا.
وقال السدي عن أبي مالك: الكرسي تحت العرش. وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش. وقال الضحاك عن ابن عباس: لو أن السموات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة.
ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير: حدثني يونس أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس". قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض" (4) .
وقال أبو بكر بن مردويه: أخبرنا سليمان بن أحمد أخبرنا عبد الله بن وهيب (5) الغزي
__________
(1) ورواه الخطيب في تاريخ دمشق (9/251) من طريق شجاع بن مخلد به.
(2) في أ: "عن علي الذهبي".
(3) المستدرك (2/282) ورواه ابن أبي شيبة في صفة العرش برقم (61) من طريق أبي عاصم عن سفيان به موقوفا.
(4) تفسير الطبري (5/399) وهو منقطع وقد جاء موصولا فرواه ابن أبي شيبة في صفة العرش برقم (58) من طريق المختار بن غسان، عن إسماعيل بن مسلم عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، مرفوعا بنحوه. وسيأتي أيضا موصولا من طريق آخر وهو الذي يليه من رواية ابن مردويه.
(5) في هـ: "بن وهب" والتصويب من الإكمال.
(1/680)
أخبرنا محمد بن أبي السري العسقلاني أخبرنا محمد بن عبد الله (1) التميمي عن القاسم بن محمد الثقفي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة" (2) .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير حدثنا ابن أبي بكير (3) حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر، رضي الله عنه قال: أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: فعظم الرب تبارك وتعالى وقال: "إن كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد من ثقله" (4) .
وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور وعبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما والطبراني وابن أبي عاصم في كتابي السنة لهما والحافظ الضياء في كتاب "المختار" من حديث أبي إسحاق (5) السبيعي عن عبد الله بن خليفة وليس بذاك المشهور وفي سماعه من عمر نظر (6) ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفا ومنهم من يرويه عنه مرسلا (7) ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة ومنهم من يحذفها.
وأغرب من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش كما رواه أبو داود في كتابه السنة من سننه (8) ، والله أعلم.
وقد روى ابن مردويه وغيره أحاديث عن بريدة وجابر وغيرهما في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء، والظاهر أن ذلك غير المذكور في هذه الآية.
وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين: أن الكرسي عندهم هو الفلك الثامن وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع وهو الفلك الأثير ويقال له: الأطلس. وقد رد ذلك عليهم آخرون.
وروى ابن جرير من طريق جويبر عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش. والصحيح أن الكرسي غير العرش والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار، وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد الله بن خليفة، عن عمر في ذلك وعندي في صحته نظر والله أعلم.
وقوله: { ولا يئوده حفظهما } أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن
__________
(1) في أ: "بن عبيد الله".
(2) وفي إسناده محمد بن أبي السري العسقلاني، ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن معين، وقال ابن عدي: كثير الغلط.
(3) في أ: "ابن أبي بكر".
(4) ورواه من طريقه الضياء في المختارة برقم (151).
(5) في أ: "عن أبي القاسم".
(6) مسند البزار برقم (39) "كشف الأستار" وتفسير الطبري (5/400) والسنة لابن أبي عاصم برقم (574) والمختارة للضياء المقدسي برقم (151- 154).
(7) الرواية المرسلة في تفسير الطبري (5/400).
(8) سنن أبي داود برقم (4726).
(1/681)
لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم (256)
بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء والأشياء كلها حقيرة بين يديه متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة وهو الغني الحميد الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وهو القاهر لكل شيء الحسيب على كل شيء الرقيب العلي العظيم لا إله غيره ولا رب سواه فقوله: { وهو العلي العظيم } كقوله: { وهو [العلي الكبير } وكقوله] (1) : { الكبير المتعال } [الرعد:9] .
وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.
{ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم (256) }





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

السبت، 15 أبريل 2017

🌿تدبر قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (254) }🌿


يأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله سبيل الخير ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا { من قبل أن يأتي يوم } يعني: يوم القيامة { لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } أي: لا يباع أحد من نفسه ولا يفادى بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبا ولا تنفعه خلة أحد، يعني: صداقته بل ولا نسابته كما قال: { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } [المؤمنون:101]{ ولا شفاعة } أي: ولا تنفعهم شفاعة الشافعين.
وقوله: { والكافرون هم الظالمون } مبتدأ محصور في خبره أي: ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرا. وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه (2) قال: الحمد لله الذي قال: { والكافرون هم الظالمون } ولم يقل: والظالمون هم الكافرون.
__________
(1) صحيح البخاري برقم (3408) وصحيح مسلم برقم (2373).
(2) في جـ: "به".
(1/671)
الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم (255)
{ الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم (255) }





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

🌿🌿تدبر قوله تعالى{ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) }🌿


يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض كما قال: { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا } [الإسراء:55] وقال هاهنا: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله } يعني: موسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم وكذلك آدم، كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه { ورفع بعضهم درجات } كما ثبت في حديث الإسراء حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء في السموات (1) بحسب تفاوت منازلهم عند الله عز وجل.
فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى
__________
(1) في جـ: "في السماء".
(1/670)
يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (254)
على العالمين. فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي فقال: أي خبيث وعلى محمد صلى الله عليه وسلم! فجاء اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتكى على المسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفضلوني على الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ فلا تفضلوني على الأنبياء" (1) وفي رواية: "لا تفضلوا بين الأنبياء".
فالجواب من وجوه:
أحدها: أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل وفي هذا نظر.
الثاني: أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع.
الثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر.
الرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.
الخامس: ليس مقام التفضيل إليكم وإنما هو إلى الله عز وجل وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به.
وقوله: { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } أي: الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به، من أنه عبد الله ورسوله إليهم { وأيدناه بروح القدس } يعني: أن الله أيده بجبريل عليه السلام ثم قال تعالى: { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا } أي: بل كل ذلك عن قضاء الله وقدره؛ ولهذا قال: { ولكن الله يفعل ما يريد }





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الأربعاء، 5 أبريل 2017

🌿تدبر قوله تعالى { ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246) }🌿


قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: هذا النبي هو يوشع بن نون. قال ابن جرير: يعني ابن أفراثيم (1) بن يوسف بن يعقوب. وهذا القول بعيد؛ لأن هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان
__________
(1) في جـ: "إفراثيم"، وفي أ: "إبراهيم".
(1/664)
ذلك في زمان داود عليه السلام، كما هو مصرح به في القصة وقد كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة والله أعلم.
وقال السدي: هو شمعون (1) وقال مجاهد: هو شمويل عليه السلام. وكذا قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه وهو: شمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام (2) بن إليهو بن تهو بن صوف (3) بن علقمة بن ماحث (4) بن عمرصا بن عزريا بن صفنيه (5) بن علقمة بن أبي ياسف بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام.
وقال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى عليه السلام على طريق (6) الاستقامة مدة الزمان، ثم أحدثوا الأحداث وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقيمهم على منهج التوراة إلى أن فعلوا ما فعلوا فسلط الله عليهم أعداءهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا خلقا كثيرا وأخذوا منهم بلادا كثيرة، ولم يكن أحد يقاتلهم إلا غلبوه وذلك أنهم كان عندهم التوراة والتابوت الذي كان في قديم (7) الزمان وكان ذلك موروثا لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم عليه الصلاة والسلام (8) فلم يزل بهم تماديهم (9) على الضلال حتى استلبه (10) منهم بعض الملوك في بعض الحروب وأخذ التوراة من أيديهم ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل وانقطعت النبوة من أسباطهم ولم يبق من سبط (11) لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلا امرأة حامل من بعلها وقد قتل فأخذوها فحبسوها في بيت واحتفظوا بها لعل الله يرزقها غلاما يكون نبيا لهم ولم تزل [تلك] (12) المرأة تدعو الله عز وجل أن يرزقها غلاما فسمع الله لها ووهبها غلاما، فسمته شمويل: أي: سمع الله. ومنهم من يقول: شمعون وهو بمعناه فشب ذلك الغلام ونشأ فيهم وأنبته (13) الله نباتا حسنا فلما بلغ سن الأنبياء أوحى الله إليه وأمره بالدعوة إليه وتوحيده، فدعا بني إسرائيل فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا يقاتلون معه أعداءهم وكان الملك أيضا قد باد فيهم (14) فقال لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام الله لكم ملكا ألا تفوا بما التزمتم من القتال معه { قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا } أي: وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد؟ قال الله تعالى: { فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين } أي: ما وفوا بما وعدوا بل نكل عن الجهاد أكثرهم والله عليم بهم.
__________
(1) في و: "شمويل".
(2) في جـ: "حام" وفي و: "نزخام".
(3) في جـ: "قهوص"، وفي أ: "قهرص"، وفي و: "بهرص".
(4) في أ: "بن ماحب".
(5) في جـ، و: "بن صفيه".
(6) في جـ: "على طريقة".
(7) في و: "في قيد".
(8) في جـ، أ، و: "عليه أفضل الصلاة والسلام".
(9) في جـ: "يردهم"، وفي و: "عادتهم".
(10) في جـ: "حتى أسلبه".
(11) في جـ: "من وسط".
(12) زيادة من جـ، أ.
(13) في جـ، "فأنبته".
(14) في جـ: "منهم".
(1/665)
وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (248)
{ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) }
أي: لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكا منهم فعين لهم طالوت وكان رجلا من أجنادهم ولم يكن من بيت الملك فيهم؛ لأن الملك فيهم كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط فلهذا قالوا: { أنى يكون له الملك علينا } أي: كيف يكون ملكا علينا { ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } أي: ثم هو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك، وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء وقيل: دباغا. وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنت وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف ثم قد أجابهم النبي قائلا { إن الله اصطفاه عليكم } أي: اختاره لكم من بينكم والله أعلم به منكم. يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك { وزاده بسطة في العلم والجسم } أي: وهو مع هذا أعلم منكم، وأنبل وأشكل منكم وأشد قوة وصبرا (1) في الحرب ومعرفة بها أي: أتم علما وقامة منكم. ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه ثم قال: { والله يؤتي ملكه من يشاء } أي: هو الحاكم الذي ما شاء فعل ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون لعلمه [وحكمته] (2) ورأفته بخلقه؛ ولهذا قال: { والله واسع عليم } أي: هو واسع الفضل يختص برحمته من يشاء عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه.
{ وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (248) }
يقول نبيهم لهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم.
{ فيه سكينة من ربكم } قيل: معناه فيه وقار، وجلالة.
قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة { فيه سكينة } أي: وقار. وقال الربيع: رحمة (3) . وكذا روي عن العوفي عن ابن عباس وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: { فيه سكينة [من ربكم] (4) } قال: ما يعرفون من آيات الله فيسكنون (5) إليه.
وقيل: السكينة طست من ذهب كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء، أعطاها الله موسى عليه السلام فوضع فيها الألواح. ورواه السدي عن أبي مالك عن ابن عباس.
وقال سفيان الثوري: عن سلمة بن كهيل عن أبي الأحوص عن علي قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان ثم هي روح هفافة.
وقال ابن جرير: حدثني [ابن] (6) المثنى حدثنا أبو داود حدثنا شعبة وحماد بن سلمة، وأبو الأحوص كلهم عن سماك عن (7) خالد بن عرعرة عن علي قال: السكينة ريح خجوج ولها
__________
(1) في أ: "وخبرا".
(2) زيادة من جـ، و، وفي أ: "وحلمه".
(3) في جـ: "رحمة الله".
(4) زيادة من جـ، و.
(5) في أ: "تسكنون".
(6) زيادة من تفسير الطبري (5/327).
(7) في جـ: "عن سماك بن".
(1/666)
رأسان.
وقال مجاهد: لها جناحان وذنب. وقال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: السكينة رأس هرة ميتة إذا صرخت في التابوت بصراخ هر، أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن منبه (1) يقول: السكينة روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تكلم فأخبرهم ببيان ما يريدون.
وقوله: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } قال ابن جرير: أخبرنا ابن المثنى حدثنا أبو الوليد حدثنا حماد عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } قال: عصاه ورضاض الألواح. وكذا قال قتادة والسدي والربيع بن أنس وعكرمة وزاد: والتوراة.
وقال أبو صالح { وبقية } يعني: عصا موسى وعصا هارون ولوحين (2) من التوراة والمن.
وقال عطية بن سعد: عصا موسى وعصا هارون وثياب موسى وثياب هارون ورضاض الألواح.
وقال عبد الرزاق: سألت الثوري عن قوله: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } فقال: منهم من يقول قفيز من من، ورضاض الألواح. ومنهم من يقول: العصا والنعلان.
وقوله: { تحمله الملائكة } قال ابن جريج: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت (3) بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون.
وقال السدي: أصبح التابوت في دار طالوت فآمنوا بنبوة شمعون وأطاعوا طالوت.
وقال عبد الرزاق عن الثوري عن بعض أشياخه: جاءت به الملائكة تسوقه على عجلة على بقرة وقيل: على بقرتين.
وذكر غيره أن التابوت كان بأريحا (4) وكان المشركون لما أخذوه وضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الكبير، فأصبح التابوت على رأس الصنم فأنزلوه فوضعوه تحته فأصبح كذلك فسمروه تحته فأصبح الصنم مكسور القوائم ملقى بعيدا، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قبل لهم به فأخرجوا التابوت من بلدهم، فوضعوه في بعض القرى (5) فأصاب أهلها داء في رقابهم (6) فأمرتهم جارية من سبي بني إسرائيل أن يردوه إلى بني إسرائيل حتى يخلصوا من هذا الداء، فحملوه على بقرتين فسارتا به لا يقربه أحد إلا مات، حتى اقتربتا من بلد بني إسرائيل فكسرتا النيرين (7) ورجعتا وجاء بنو إسرائيل فأخذوه فقيل: إنه تسلمه داود عليه السلام وأنه لما قام إليهما (8) حجل من فرحه بذلك. وقيل: شابان منهم فالله أعلم. وقيل: كان التابوت بقرية من قرى فلسطين يقال لها: أزدرد.
وقوله: { إن في ذلك لآية لكم } أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من
__________
(1) في أ: "بن منصور".
(2) في جـ: "ولوحان".
(3) في جـ: "وتحمل التوابيت".
(4) في جـ: "كان تاريخا".
(5) في و: "بعض القرايا".
(6) في جـ: "في قلوبهم".
(7) في جـ: "النيرير".
(8) في جـ: "قام إليه" وفي و: "قام إليهما".
(1/667)
طاعة طالوت: { إن كنتم مؤمنين } أي: بالله واليوم الآخر.
(1/668)
فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين (249)
{ فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين (249) }
يقول تعالى مخبرا عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل وكان جيشه يومئذ فيما ذكره السدي ثمانين ألفا فالله أعلم، أنه قال: { إن الله مبتليكم [بنهر] (1) } قال ابن عباس وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين يعني: نهر الشريعة المشهور { فمن شرب منه فليس مني } أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه { ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده } أي: فلا بأس عليه قال الله تعالى { فشربوا منه إلا قليلا منهم } قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده روي، ومن شرب منه لم يرو. وكذا رواه السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس. وكذا قال قتادة وابن شوذب.
وقال السدي: كان الجيش ثمانين ألفا فشرب ستة وسبعون ألفا وتبقى معه أربعة آلاف كذا قال.
وقد روى ابن جرير من طريق إسرائيل وسفيان الثوري ومسعر (2) بن كدام عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن. ورواه البخاري عن عبد الله بن رجاء عن إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن البراء (3) قال: "كنا -أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم-نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت، الذين جازوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة" (4) .
ثم رواه من حديث سفيان الثوري وزهير، عن أبي إسحاق عن البراء بنحوه (5) ولهذا قال تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } أي: استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم فشجعهم علماؤهم [وهم] (6) العالمون بأن وعد الله حق فإن النصر من عند الله ليس عن (7) كثرة عدد ولا عدد. ولهذا قالوا: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين }
__________
(1) زيادة من أ، و.
(2) في جـ: "ومسعود".
(3) في هـ، أ، و: "عن أبي إسحاق عن جده عن البراء" والمثبت من البخاري.
(4) صحيح البخاري برقم (3958).
(5) صحيح البخاري برقم (3957) من حديث زهير وبرقم (3959) من حديث سفيان.
(6) زيادة من جـ.
(7) في أ: "لا من".
(1/668)
ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (250) فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين (251) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252)
{ ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (250) فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين (251) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252) }
أي: لما واجه حزب الإيمان -وهم قليل-من أصحاب طالوت لعدوهم أصحاب جالوت -وهم عدد كثير-{ قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا } أي: أنزل علينا صبرا من عندك { وثبت أقدامنا } أي: في لقاء الأعداء وجنبنا الفرار والعجز { وانصرنا على القوم الكافرين }
قال الله تعالى: { فهزموهم بإذن الله } أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم { وقتل داود جالوت } ذكروا في الإسرائيليات: أنه قتله بمقلاع كان في يده رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته ويشركه (1) في أمره فوفى له ثم آل (2) الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة؛ ولهذا قال تعالى: { وآتاه الله الملك } الذي كان بيد طالوت { والحكمة } أي: النبوة بعد شمويل { وعلمه مما يشاء } أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } أي: لولاه يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا كما قال: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا } الآية [الحج:40].
وقال ابن جرير، رحمه الله: حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة عن وبرة بن عبد الرحمن عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء". ثم قرأ ابن عمر: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } (3) وهذا إسناد ضعيف فإن يحيى بن سعيد [هذا] (4) هو أبو زكريا العطار الحمصي وهو ضعيف جدا.
ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو حميد الحمصي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله عز وجل ما دام فيهم" (5) .
وهذا أيضا غريب ضعيف لما تقدم أيضا. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم أخبرنا علي بن إسماعيل بن حماد أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد أخبرنا زيد بن الحباب، حدثني حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء (6) عن ثوبان -رفع
__________
(1) في جـ: "ويشاركه".
(2) في جـ: "بما آل".
(3) تفسير الطبري (5/374).
(4) زيادة من أ، و.
(5) تفسير الطبري (5/375).
(6) في جـ: "بن أبي أسامة".
(1/669)
الحديث-قال: "لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون وبهم تمطرون وبهم ترزقون حتى يأتي أمر الله" (1) .
وقال ابن مردويه أيضا: وحدثنا محمد بن أحمد (2) حدثنا محمد بن جرير بن يزيد، حدثنا أبو معاذ نهار بن عثمان الليثي أخبرنا زيد بن الحباب أخبرني عمر البزار، عن عنبسة الخواص، عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأبدال في أمتي ثلاثون بهم تقوم الأرض، وبهم تمطرون وبهم تنصرون" قال قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم (3) .
وقوله: { ولكن الله ذو فضل على العالمين } أي: من عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضا وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله.
ثم قال تعالى: { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين } أي: هذه آيات الله التي قصصناها عليك من (4) أمر الذين ذكرناهم بالحق أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر، المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل { وإنك } يا محمد { لمن المرسلين } وهذا توكيد وتوطئة للقسم.
__________
(1) ورواه عبد الرزاق في المصنف برقم (20457) عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة مرسلا.
(2) في جـ: "وحدثنا أحمد بن محمد".
(3) ورواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق محمد بن الفرج عن زيد بن الحباب به، وقال الهيثمي في المجمع (10/63): "رواه الطبراني من طريق عمرو البزار عن عنبسة الخواص وكلاهما لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
فائدة: قال الإمام ابن القيم في المنار المنيف (ص136): "أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والاوتاد كلها باطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقرب ما فيها: "لا تسبوا أهل الشام فإن فيهم البدلا، كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلا آخر" ذكره أحمد ولا يصح أيضا، فإنه منقطع".
(4) في جـ: "في".
(1/670)
تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253)





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]