الاثنين، 31 أكتوبر 2016

تدبر قوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (146) الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) }


يخبر تعالى (1) أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم [كما يعرفون أبناءهم] (2) كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل معه صغير: "ابنك هذا؟" قال: نعم يا رسول الله، أشهد به. قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" (3) .
[قال القرطبي: ويروى أن عمر قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا صلى الله عليه وسلم كما تعرف ولدك ابنك، قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين، في الأرض بنعته فعرفته، وإني لا أدري ما كان من أمره. قلت: وقد يكون المراد { يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } من بين أبناء الناس لا يشك أحد ولا يتمارى في معرفة ابنه إذا رآه من بين أبناء الناس كلهم] (4) .
ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق (5) والإتقان العلمي { ليكتمون الحق } أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم { وهم يعلمون }
ثم ثبت تعالى نبيه (6) والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء (7) به الرسول (8) صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال: { الحق من ربك فلا تكونن من الممترين }
{ ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير (148) }
قال العوفي، عن ابن عباس: { ولكل وجهة هو موليها } يعني بذلك: أهل الأديان، يقول: لكل قبلة يرضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون.
وقال أبو العالية: لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها الأمة [الموقنون] (9) للقبلة التي هي القبلة. وروي عن مجاهد، وعطاء، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي نحو هذا.
__________
(1) في جـ: "يخبر تبارك وتعالى".
(2) زيادة من ط.
(3) رواه أحمد في المسند (2/226 ، 228) وأبو داود في السنن برقم (4495).
(4) زيادة من ج، ط، أ.
(5) في جـ، ط، أ، و: "التحقيق".
(6) في جـ: "النبي صلى الله عليه وسلم".
(7) في ط: "ما جاءهم به".
(8) في جـ: "النبي".
(9) زيادة من جـ.
(1/462)
ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150)
وقال مجاهد في الرواية الأخرى: ولكن أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة.
وقرأ ابن عباس، وأبو جعفر الباقر، وابن عامر: "ولكل وجهة هو مولاها".
وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا } [المائدة: 48] .
وقال هاهنا: { أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير } أي: هو قادر على جمعكم من الأرض، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم.
{ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) }
هذا أمر ثالث من الله تعالى (1) باستقبال المسجد الحرام، من جميع أقطار الأرض.
وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات، فقيل: تأكيد لأنه أول ناسخ وقع، في الإسلام على ما نص عليه ابن عباس وغيره، وقيل: بل هو منزل على أحوال، فالأمر الأول لمن هو مشاهد الكعبة، والثاني لمن هو في مكة غائبا عنها، والثالث لمن هو في بقية البلدان، هكذا وجهه فخر الدين الرازي. وقال القرطبي: الأول لمن هو بمكة، والثاني لمن هو في بقية الأمصار، والثالث لمن خرج، في الأسفار، ورجح هذا الجواب القرطبي، وقيل: إنما ذكر ذلك لتعلقه بما قبله أو بعده من السياق، فقال: أولا { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها } إلى قوله: { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون } فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته وأمره بالقبلة التي كان يود التوجه إليها ويرضاها؛ وقال في الأمر الثاني: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون } فذكر أنه الحق من الله وارتقى عن المقام الأول، حيث كان موافقا لرضا الرسول صلى الله عليه وسلم فبين أنه الحق أيضا من الله يحبه ويرتضيه، وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون بما في كتبهم أنه سيصرف إلى قبلة إبراهيم، عليه السلام، إلى الكعبة، وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صرف الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة وأعجبهم استقبال الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار، وقد بسطها فخر الدين وغيره، والله -سبحانه وتعالى -أعلم.
__________
(1) في جـ: "من الله تبارك وتعالى".
(1/463)
كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152)
وقوله: { لئلا يكون للناس عليكم حجة } أي: أهل الكتاب؛ فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين أو لئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجه إلى بيت المقدس. وهذا أظهر.
قال أبو العالية: { لئلا يكون للناس عليكم حجة } يعني به أهل الكتاب حين قالوا: صرف محمد إلى الكعبة.
وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه (1) ودين قومه. وكان حجتهم على النبي صلى الله عليه وسلم انصرافه إلى البيت الحرام أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا.
قال ابن أبي حاتم: وروى عن مجاهد، وعطاء، والضحاك، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، نحو هذا.
وقال هؤلاء في قوله: { إلا الذين ظلموا منهم } يعني: مشركي قريش.
ووجه بعضهم حجة الظلمة -وهي داحضة -أن قالوا: إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم: فإن كان توجهه إلى بيت المقدس على





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

تدبر قوله تعالى : { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (175) ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (176) }


يقول تعالى: { إن الذين يكتمون } [مما يشهد له بالرسالة] (4) { ما أنزل الله من الكتاب } يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم، مما تشهد (5) له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا -لعنهم الله -إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك، وهو نزر يسير، فباعوا أنفسهم بذلك، واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله بذلك النزر اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة؛ أما في الدنيا فإن الله أظهر لعباده صدق رسوله، بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات، فصدقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه، وصاروا عونا له على قتالهم، وباؤوا بغضب على غضب، وذمهم الله في كتابه في غير (6) موضع. من ذلك هذه الآية الكريمة: { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا } وهو عرض الحياة الدنيا { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة. كما قال تعالى: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } [النساء: 10] وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب
__________
(1) في أ: "أنه لا يزيد".
(2) في جـ: "فمن".
(3) زيادة من جـ.
(4) زيادة من جـ.
(5) في أ: "كالعهد".
(6) في جـ، أ، و: "في غير ما".
(1/483)
والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" (1) .
وقوله: { ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } وذلك لأنه غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم، أي يثني (2) عليهم ويمدحهم بل يعذبهم عذابا أليما.
وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه هاهنا [الحديث الذي رواه مسلم أيضا من] (3) حديث الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم [ولهم عذاب أليم] (4) شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر" (5) .
ثم قال تعالى مخبرا عنهم: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } أي: اعتاضوا عن الهدى، وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه، استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه بالضلالة، وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في كتبهم { والعذاب بالمغفرة } أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة.
وقوله تعالى: { فما أصبرهم على النار } يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجب من رآهم فيها من صبرهم على ذلك، مع (6) شدة ما هم فيه من العذاب، والنكال، والأغلال عياذا بالله من ذلك.
[وقيل معنى قوله: { فما أصبرهم على النار } أي: ما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار] (7) .
وقوله: { ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق } أي: إنما استحقوا هذا العذاب الشديد لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوا، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشره، فخالفوه وكذبوه. وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه، ويكتمون صفته، فاستهزؤوا بآيات الله المنزلة على رسله؛ فلهذا استحقوا العذاب والنكال؛ ولهذا (8) قال: { ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } .
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5634) وصحيح مسلم برقم (2065) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
(2) في أ: "أي: لا يثني".
(3) زيادة من جـ، أ.
(4) زيادة من جـ، وصحيح مسلم.
(5) رواه مسلم في صحيحه رقم (107).
(6) في جـ، أ، و: "من".
(7) زيادة من أ.
(8) في جـ: "فلهذا".
(1/484)
ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177)
{ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) }





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

تدبر قوله تعالى : { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171) }

تدبر قوله تعالى : { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171) }
يقول تعالى: { وإذا قيل } لهؤلاء الكفرة من المشركين: { اتبعوا ما أنزل الله } على رسوله، واتركوا ما أنتم فيه (1) من الضلال والجهل، قالوا في جواب ذلك: { بل نتبع ما ألفينا } أي: وجدنا { عليه آباءنا } أي: من عبادة الأصنام والأنداد. قال الله تعالى منكرا عليهم: { أولو كان آباؤهم } أي: الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم { لا يعقلون شيئا ولا يهتدون } أي: ليس لهم فهم ولا هداية!!.
وروى ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنها نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. فأنزل الله هذه الآية.
ثم ضرب لهم تعالى مثلا كما قال تعالى: { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } [النحل: 60] فقال: { ومثل الذين كفروا } أي: فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها، أي: دعاها إلى ما يرشدها، لا تفقه ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط.
هكذا روي عن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني والربيع بن أنس، نحو هذا.
وقيل: إنما هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئا، اختاره ابن جرير، والأول أولى؛ لأن الأصنام لا تسمع شيئا ولا تعقله ولا تبصره، ولا بطش لها ولا حياة فيها (2) . وقوله: { صم بكم عمي } أي: صم عن سماع الحق، بكم لا يتفوهون به، عمي عن رؤية طريقه ومسلكه { فهم لا يعقلون } أي: لا يعقلون شيئا ولا يفهمونه، كما قال تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } [الأنعام: 39] .
{ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون (172) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) }
يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه على ذلك، إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد:
حدثنا أبو النضر، حدثنا الفضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة
__________
(1) في أ: "ما أنتم عليه".
(2) في أ: "لأن الأصنام لا تسمع دعاء ولا نداء بل هي جمادات لا تسمع شيئا".
(1/480)
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } [المؤمنون: 51] وقال: { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك".
ورواه مسلم في صحيحه، والترمذي من حديث [فضيل] (1) بن مرزوق (2) .
ولما امتن تعالى عليهم برزقه، وأرشدهم إلى الأكل من طيبه، ذكر أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، وسواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو قد عدا عليها السبع.
وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى: { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة } [المائدة: 96] على ما سيأتي، وحديث العنبر في الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله، عليه السلام، في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وروى الشافعي وأحمد وابن ماجة والدارقطني من حديث ابن عمر مرفوعا: "أحل لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال" وسيأتي تقرير ذلك في سورة المائدة (3) .
ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره؛ لأنه جزء منها. وقال مالك في رواية: هو طاهر إلا أنه ينجس بالمجاورة، وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف والمشهور عندهم أنها نجسة، وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس، فقال القرطبي في تفسيره هاهنا: يخالط اللبن منها يسير، ويعفى عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع. وقد روى ابن ماجة من حديث سيف بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء، فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" (4) .
وكذلك حرم عليهم لحم الخنزير، سواء ذكي أو مات حتف أنفه، ويدخل شحمه في حكم لحمه (5) إما تغليبا أو أن اللحم يشمل ذلك، أو بطريق القياس على رأي. و[كذلك] (6) حرم عليهم ما أهل به لغير الله، وهو ما ذبح على غير اسمه (7) تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام، ونحو ذلك
__________
(1) زيادة من أ.
(2) المسند (2/328) وصحيح مسلم برقم (1015) وسنن الترمذي برقم (2989).
(3) وسيأتي تخريج الحديثين عند تفسير أول سورة المائدة.
(4) سنن ابن ماجة برقم (3367) ورواه الترمذي في السنن برقم (1726) من طريق سيف بن هارون به وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه". وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قوله، وكأن الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظا، روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن سلمان موقوفا، قال البخاري: "وسيف بن هارون مقارب الحديث، وسيف بن محمد، عن عاصم ذاهب الحديث".
(5) في جـ: "ويدخل لحمه في حكم شحمه".
(6) زيادة من جـ، أ، و.
(7) في جـ: "غير اسم الله".
(1/481)
مما كانت الجاهلية ينحرون له. [وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري: أنه سئل عن امرأة عملت عرسا للعبها فنحرت فيه جزورا فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم؛ وأورد القرطبي عن عائشة أنها سئلت عما يذبحه العجم في أعيادهم فيهدون منه للمسلمين، فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوه، وكلوا من أشجارهم] (1) . ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها، عند فقد غيرها من الأطعمة، فقال: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } أي: في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد { فلا إثم عليه } أي: في أكل ذلك { إن الله غفور رحيم }
وقال مجاهد: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، قاطعا للسبيل، أو مفارقا للأئمة، أو خارجا في معصية الله، فله الرخصة، ومن خرج باغيا أو عاديا أو في معصية الله فلا رخصة له، وإن اضطر إليه، وكذا روي عن سعيد بن جبير.
وقال سعيد -في رواية عنه -ومقاتل بن حيان: غير باغ: يعني غير مستحله. وقال السدي: غير باغ يبتغي فيه شهوته، وقال عطاء الخراساني في قوله: { غير باغ } [قال] (2) لا يشوي من الميتة ليشتهيه ولا يطبخه، ولا يأكل إلا العلقة، ويحمل معه ما يبلغه الحلال، فإذا بلغه ألقاه [وهو قوله: { ولا عاد } يقول: لا يعدو به الحلال] (3) .
وعن ابن عباس: لا يشبع منها. وفسره السدي بالعدوان. وعن ابن عباس { غير باغ ولا عاد } قال: { غير باغ } في الميتة { ولا عاد } في أكله. وقال قتادة: فمن اضطر غير باغ ولا عاد في (4) أكله: أن يتعدى حلالا إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة.
وحكى القرطبي عن مجاهد في قوله: { فمن اضطر } أي: أكره على ذلك بغير اختياره.
مسألة: ذكر القرطبي إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة بل يأكل طعام الغير بلا خلاف -كذا قال -ثم قال: وإذا أكله، والحالة هذه، هل يضمنه أم لا؟ فيه قولان هما روايتان عن مالك، ثم أورد من سنن ابن ماجه من حديث شعبة عن أبي إياس جعفر بن أبي وحشية: سمعت عباد بن العنزي (5) قال: أصابتنا عاما مخمصة، فأتيت المدينة (6) . فأتيت حائطا، فأخذت سنبلا ففركته وأكلته، وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال للرجل: "ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساعيا، ولا علمته إذ كان جاهلا" (7) . فأمره فرد إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق، إسناد صحيح قوي جيد وله شواهد كثيرة: من ذلك حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق، فقال: "من أصاب منه من ذي حاجة بفيه غير متخذ خبنة (8) فلا شيء عليه" (9) الحديث.
__________
(1) زيادة من جـ، أ.
(2) زيادة من جـ.
(3) زيادة من و.
(4) في جـ: "ولا عاد أي".
(5) في أ: "شرحيل الفتوى" وفي ط: "بشر العنزي" والصواب ما أثبتناه.
(6) في أ: "فأتيت الحتفية".
(7) سنن ابن ماجة برقم (2298).
(8) في أ: "غير منحن جيبه".
(9) رواه الترمذي في السنن برقم (1289) وقال: "هذا حديث حسن".
(1/482)
إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (175) ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (176)
وقال مقاتل بن حيان في قوله: { فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم } فيما أكل من اضطرار، وبلغنا -والله أعلم -أنه لا يزاد (1) على ثلاث لقم.
وقال سعيد بن جبير: غفور لما أكل من الحرام. رحيم إذ أحل له الحرام في الاضطرار.
وقال وكيع: حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: من (2) اضطر فلم يأكل ولم يشرب، ثم مات دخل النار.
[وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة. قال أبو الحسن الطبري -المعروف بالكيا الهراسي رفيق الغزالي في الاشتغال: وهذا هو الصحيح عندنا؛ كالإفطار للمريض في رمضان ونحو ذلك] (3) .
{ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (175) ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (176) }
يقول تعالى: { إن الذين يكتمون } [مما يشهد له بالرسالة]





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الجمعة، 28 أكتوبر 2016

تدبر قوله تعالى{ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (169) }


لما بين تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه الرزاق لجميع خلقه، فذكر [ذلك] (1) في مقام الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالا من الله طيبا، أي: مستطابا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي: طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما زينه لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمار الذي في صحيح مسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول الله تعالى: إن كل ما أمنحه (2) عبادي فهو لهم حلال" وفيه: "وإني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم" (3) .
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى بن شيبة (4) المصري، حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الاحتياطي، حدثنا أبو عبد الله الجوزجاني (5) -رفيق إبراهيم بن أدهم -حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم: { يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } فقام سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال. "يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به" (6) .
وقوله: { إنه لكم عدو مبين } تنفير عنه وتحذير منه، كما قال: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } [فاطر: 6] وقال تعالى: { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا } [الكهف: 50] .
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في جـ، ط، أ، و: "كل مال منحته".
(3) صحيح مسلم برقم (2865).
(4) في جـ: "شعبة" وفي هـ: "شبة".
(5) في جـ: "الجرجاني".
(6) المعجم الأوسط للطبراني برقم (5026) "مجمع البحرين".
(1/478)
وقال قتادة، والسدي في قوله: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان.
وقال عكرمة: هي نزغات الشيطان، وقال مجاهد: خطاه، أو قال: خطاياه.
وقال أبو مجلز: هي النذور في المعاصي.
وقال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه فأفتاه مسروق بذبح كبش. وقال: هذا من خطوات الشيطان.
وقال أبو الضحى، عن مسروق: أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح، فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم، فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم. فقال: لا أريده. فقال: أصائم أنت؟ قال: لا. قال: فما شأنك؟ قال: حرمت أن آكل ضرعا أبدا. فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فاطعم وكفر عن يمينك.
رواه (1) ابن أبي حاتم، وقال أيضا:
حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، عن سليمان التيمي، عن أبي رافع، قال: غضبت على امرأتي، فقالت: هي يوما يهودية ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر، إن لم تطلق امرأتك. فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من خطوات الشيطان. وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة. وأتيت عاصما وابن عمر (2) فقالا مثل ذلك.
وقال عبد بن حميد: حدثنا أبو نعيم (3) عن شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما كان من يمين أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين.
[وقال سعيد بن داود في تفسيره: حدثنا عبادة بن عباد المهلبي عن عاصم الأحول، عن عكرمة في رجل قال لغلامه: إن لم أجلدك مائة سوط فامرأته طالق، قال: لا يجلد غلامه، ولا تطلق امرأته هذا من خطوات الشيطان] (4) .
وقوله: { إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل (5) في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضا.
__________
(1) في جـ: "روى هذا" وفي ط، أ، و: "رواهن".
(2) في ط: "عاصم بن عمر".
(3) في جـ: "عبد الله بن نعيم".
(4) زيادة من ج، ط.
(5) في ط: "فدخل".
(1/479)
وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171) يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون (172) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173)
{ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171) }
يقول تعالى: { وإذا قيل } لهؤلاء الكفرة من المشركين: {





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

تدبر قوله تعالى { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب (165) إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب (166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (167)


ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن جعفر بن أبي المغيرة، به (1) . وزاد في آخره: وكيف يسألونك عن الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا.
وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس } إلى قوله: { لآيات لقوم يعقلون }
فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء.
وقال وكيع: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى قال: لما نزلت: { وإلهكم إله واحد } إلى آخر الآية، قال المشركون: إن كان هكذا فليأتنا بآية. فأنزل الله عز وجل: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار } إلى قوله: { يعقلون }
ورواه آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر -هو الرازي -عن سعيد بن مسروق، والد سفيان، عن أبي الضحى، به.
{ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الخميس، 27 أكتوبر 2016

تدبر قوله تعالى { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب (165) إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب (166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (167) }


يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا [له] (2) أندادا، أي: أمثالا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند له، ولا شريك معه. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" (3) .
وقوله: { والذين آمنوا أشد حبا لله } ولحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجؤون في جميع أمورهم إليه. ثم توعد تعالى المشركين به، الظالمين لأنفسهم بذلك فقال: { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا } .
__________
(1) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (12/12) من طريق يحيى الحماني عن يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة به نحوه.
(2) زيادة من جـ.
(3) صحيح البخاري برقم (4477) وصحيح مسلم برقم (68).
(1/476)
قال بعضهم: تقدير الكلام: لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعا، أي: إن الحكم له (1) وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه { وأن الله شديد العذاب } كما قال: { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد } [الفجر: 25 ، 26] يقول: لو علموا ما يعاينونه (2) هنالك، وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم، لانتهوا عما هم فيه من الضلال.
ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبرؤ المتبوعين من التابعين، فقال: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا [ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب] (3) } تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في دار الدنيا، فتقول الملائكة: { تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون } [القصص: 63] ويقولون: { سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون } [سبأ: 41] والجن أيضا تتبرأ منهم، ويتنصلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين } [الأحقاف: 5، 6] وقال تعالى: { واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا } [مريم: 81، 82] وقال الخليل لقومه: { إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين } [العنكبوت: 25] وقال تعالى: { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين * وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } [سبأ: 31-33] وقال تعالى: { وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم } [إبراهيم: 22].
وقوله: { ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب } أي: عاينوا عذاب الله، وتقطعت بهم الحيل وأسباب الخلاص ولم يجدوا عن النار معدلا ولا مصرفا.
قال عطاء عن ابن عباس: { وتقطعت بهم الأسباب } قال: المودة. وكذا قال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح.
وقوله: { وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا } أي: لو أن لنا عودة (4) إلى
__________
(1) في جـ، ط: "إن الحكم لله".
(2) في جـ: "ما يعاينوه".
(3) زيادة من جـ.
(4) في ط: "دعوة".
(1/477)
يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (169)
الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم، بل نوحد الله وحده بالعبادة. وهم كاذبون في هذا، بل لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك؛ ولهذا قال: { كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار } أي: تذهب وتضمحل كما قال الله تعالى: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } [الفرقان: 23] .
وقال تعالى: { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف } الآية [إبراهيم: 18] ، وقال تعالى: { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء } الآية [النور: 39] ؛ ولهذا قال تعالى: { وما هم بخارجين من النار } .
{ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (169) }





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

تدبر قوله تعالى{ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (164)

تدبر قوله تعالى{ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (164)
{ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (164) }
ثم ذكر الدليل على تفرده بالإلهية [بتفرده] (1) بخلق السموات والأرض وما فيهما، وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته، فقال: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون } يقول تعالى: { إن في خلق السماوات والأرض } تلك في [لطافتها و] (2) ارتفاعها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في [كثافتها و] (3) انخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع { واختلاف الليل والنهار } هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا (4) يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون } [يس: 40] وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتقارضان، كما قال تعالى: { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل } [الحج: 61] أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا { والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس }
__________
(1) زيادة من جـ، ط.
(2) زيادة من أ.
(3) زيادة من أ.
(4) في ط: "ولا".
(1/474)
أي: في تسخير البحر لحمل السفن من جانب إلى جانب لمعاش الناس، والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء (1) { وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها } كما قال تعالى: { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون * وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون * ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون * سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون } [يس: 33-36]{ وبث فيها من كل دابة } أي: على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين } [هود: 6]{ وتصريف الرياح } أي: تارة تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب، تارة (2) تأتي مبشرة (3) بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، [ثم تارة تأتي من الجنوب وهي الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن وتارة صبا، وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة، وتارة دبور وهي غربية تفد من ناحية دبر الكعبة والرياح تسمى كلها بحسب مرورها على الكعبة. وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول هاهنا، والله أعلم] (4) . { والسحاب المسخر بين السماء والأرض } [أي: سائر بين السماء والأرض] (5) يسخر إلى ما يشاء الله (6) من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى: { لآيات لقوم يعقلون } أي: في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } [آل عمران: 190، 191] . وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو سعيد الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتت قريش محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إنما نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا، فنشتري به الخيل والسلاح، فنؤمن بك ونقاتل معك. قال: "أوثقوا (7) لي لئن دعوت ربي فجعل لكم الصفا ذهبا لتؤمنن بي" فأوثقوا له، فدعا ربه، فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين. قال محمد صلى الله عليه وسلم: "رب لا بل دعني وقومي فلأدعهم يوما بيوم". فأنزل الله هذه الآية: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس } الآية.
__________
(1) في جـ: "أولئك لهؤلاء".
(2) في جـ: "وتارة".
(3) في أ: "مسيرة".
(4) زيادة من جـ، ط، أ.
(5) زيادة من جـ، أ، و.
(6) في جـ: "مسخرا إلى ما شاء الله" وفي ط: "مسخر إلى ما يشاء الله".
(7) في أ: "أوقفوا".
(1/475)
ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب (165) إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب (166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (167)
ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن جعفر بن أبي المغيرة، به (1) . وزاد في آخره: وكيف يسألونك عن الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا.
وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس } إلى قوله: { لآيات لقوم يعقلون }
فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء.
وقال وكيع: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى قال: لما نزلت: { وإلهكم إله واحد } إلى آخر الآية، قال المشركون: إن كان هكذا فليأتنا بآية. فأنزل الله عز وجل: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار } إلى قوله: { يعقلون }
ورواه آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر -هو الرازي -عن سعيد بن مسروق، والد سفيان، عن أبي الضحى، به.
{ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

تدبر قوله تعالى { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (146) الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) }

تدبر قوله تعالى { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (146) الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) }
يخبر تعالى (1) أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم [كما يعرفون أبناءهم] (2) كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل معه صغير: "ابنك هذا؟" قال: نعم يا رسول الله، أشهد به. قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" (3) .
[قال القرطبي: ويروى أن عمر قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا صلى الله عليه وسلم كما تعرف ولدك ابنك، قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين، في الأرض بنعته فعرفته، وإني لا أدري ما كان من أمره. قلت: وقد يكون المراد { يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } من بين أبناء الناس لا يشك أحد ولا يتمارى في معرفة ابنه إذا رآه من بين أبناء الناس كلهم] (4) .
ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق (5) والإتقان العلمي { ليكتمون الحق } أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم { وهم يعلمون }
ثم ثبت تعالى نبيه (6) والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء (7) به الرسول (8) صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال: { الحق من ربك فلا تكونن من الممترين }
{ ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير (148) }
قال العوفي، عن ابن عباس: { ولكل وجهة هو موليها } يعني بذلك: أهل الأديان، يقول: لكل قبلة يرضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون.
وقال أبو العالية: لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها الأمة [الموقنون] (9) للقبلة التي هي القبلة. وروي عن مجاهد، وعطاء، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي نحو هذا.
__________
(1) في جـ: "يخبر تبارك وتعالى".
(2) زيادة من ط.
(3) رواه أحمد في المسند (2/226 ، 228) وأبو داود في السنن برقم (4495).
(4) زيادة من ج، ط، أ.
(5) في جـ، ط، أ، و: "التحقيق".
(6) في جـ: "النبي صلى الله عليه وسلم".
(7) في ط: "ما جاءهم به".
(8) في جـ: "النبي".
(9) زيادة من جـ.
(1/462)
ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150)
وقال مجاهد في الرواية الأخرى: ولكن أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة.
وقرأ ابن عباس، وأبو جعفر الباقر، وابن عامر: "ولكل وجهة هو مولاها".
وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا } [المائدة: 48] .
وقال هاهنا: { أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير } أي: هو قادر على جمعكم من الأرض، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم.
{ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) }
هذا أمر ثالث من الله تعالى (1) باستقبال المسجد الحرام، من جميع أقطار الأرض.
وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات، فقيل: تأكيد لأنه أول ناسخ وقع، في الإسلام على ما نص عليه ابن عباس وغيره، وقيل: بل هو منزل على أحوال، فالأمر الأول لمن هو مشاهد الكعبة، والثاني لمن هو في مكة غائبا عنها، والثالث لمن هو في بقية البلدان، هكذا وجهه فخر الدين الرازي. وقال القرطبي: الأول لمن هو بمكة، والثاني لمن هو في بقية الأمصار، والثالث لمن خرج، في الأسفار، ورجح هذا الجواب القرطبي، وقيل: إنما ذكر ذلك لتعلقه بما قبله أو بعده من السياق، فقال: أولا { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها } إلى قوله: { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون } فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته وأمره بالقبلة التي كان يود التوجه إليها ويرضاها؛ وقال في الأمر الثاني: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون } فذكر أنه الحق من الله وارتقى عن المقام الأول، حيث كان موافقا لرضا الرسول صلى الله عليه وسلم فبين أنه الحق أيضا من الله يحبه ويرتضيه، وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون بما في كتبهم أنه سيصرف إلى قبلة إبراهيم، عليه السلام، إلى الكعبة، وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صرف الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة وأعجبهم استقبال الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار، وقد بسطها فخر الدين وغيره، والله -سبحانه وتعالى -أعلم.
__________
(1) في جـ: "من الله تبارك وتعالى".
(1/463)
كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152)
وقوله: { لئلا يكون للناس عليكم حجة } أي: أهل الكتاب؛ فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين أو لئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجه إلى بيت المقدس. وهذا أظهر.
قال أبو العالية: { لئلا يكون للناس عليكم حجة } يعني به أهل الكتاب حين قالوا: صرف محمد إلى الكعبة.
وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه (1) ودين قومه. وكان حجتهم على النبي صلى الله عليه وسلم انصرافه إلى البيت الحرام أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا.
قال ابن أبي حاتم: وروى عن مجاهد، وعطاء، والضحاك، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، نحو هذا.
وقال هؤلاء في قوله: { إلا الذين ظلموا منهم } يعني: مشركي قريش.
ووجه بعضهم حجة الظلمة -وهي داحضة -أن قالوا: إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم: فإن كان توجهه إلى بيت المقدس على





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الاثنين، 10 أكتوبر 2016

تدبر قوله تعالى { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء }

تدبر قوله تعالى { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء } يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون، كما جاء في صحيح مسلم: "إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت (4) ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطلاعة،
__________
(1) في جـ: "لما فرغ تبارك وتعالى".
(2) رواه أبو داود في السنن برقم (1319) من حديث حذيفة رضي الله عنه.
(3) في جـ: "وإن تقتل عليه الأنفس" وفي ط: "فإن ثقل على الأنفس".
(4) في أ: "حيث ما شاءت".
(1/446)
ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157)
فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا، وأي شيء نبغي، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ ثم عاد إليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا، فنقاتل في سبيلك، حتى نقتل فيك مرة أخرى؛ لما يرون من ثواب الشهادة -فيقول الرب جل جلاله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون" (1) .
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" (2) .
ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضا، وإن كان الشهداء قد خصصوا (3) بالذكر في القرآن، تشريفا لهم وتكريما وتعظيما (4) .
{ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) }
أخبر تعالى أنه يبتلي عباده [المؤمنين] (5) أي: يختبرهم ويمتحنهم، كما قال تعالى: { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم } [محمد: 31] فتارة بالسراء، وتارة بالضراء من خوف وجوع، كما قال تعالى: { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } [النحل: 112] فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه؛ ولهذا قال: لباس الجوع والخوف. وقال هاهنا { بشيء من الخوف والجوع } أي: بقليل من ذلك { ونقص من الأموال } أي: ذهاب بعضها { والأنفس } كموت الأصحاب والأقارب والأحباب { والثمرات } أي: لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها. كما قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة. وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه [الله] (6) ومن قنط أحل [الله] (7) به عقابه. ولهذا قال: { وبشر الصابرين }
وقد حكى بعض المفسرين أن المراد من الخوف (8) هاهنا: خوف الله، وبالجوع: صيام رمضان، ونقص (9) الأموال: الزكاة، والأنفس: الأمراض، والثمرات: الأولاد.
وفي هذا نظر، والله أعلم.
ثم بين تعالى من الصابرون (10) الذين شكرهم، قال: { الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون } أي: تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده
__________
(1) صحيح مسلم برقم (1887) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ولفظه مختلف لكن معناه واحد.
(2) المسند (3/455).
(3) في جـ: "قد خصوا".
(4) في جـ: "تعظيما وتكريما".
(5) زيادة من جـ.
(6) زيادة من جـ.
(7) زيادة من جـ.
(8) في جـ: "أن المراد بالخوف".
(9) في جـ: "وبنقص".
(10) في جـ:"الصابرين".
(1/467)
بما (1) يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة. ولهذا أخبر تعالى عما (2) أعطاهم على ذلك فقال: { أولئك عليهم صلوات من ربهم } أي: ثناء من الله عليهم ورحمة.
قال سعيد بن جبير: أي أمنة من العذاب { وأولئك هم المهتدون } قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نعم العدلان ونعمت العلاوة { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة } فهذان العدلان { وأولئك هم المهتدون } فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل وكذلك هؤلاء، أعطوا ثوابهم وزيدوا (3) أيضا.
وقد ورد في ثواب الاسترجاع، وهو قول (4) { إنا لله وإنا إليه راجعون } عند المصائب أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد:
حدثنا يونس، حدثنا ليث -يعني ابن سعد -عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سررت به. قال: "لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا فعل ذلك به". قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منه، ثم رجعت إلى نفسي. فقلت: من أين لي خير (5) من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم -وأنا أدبغ إهابا لي -فغسلت يدي من القرظ (6) وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي ألا يكون بك الرغبة، ولكني امرأة، في غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: "أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها (7) الله، عز وجل عنك. وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي". قالت: فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم (8) .
وفي صحيح مسلم، عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: { إنا لله وإنا إليه راجعون } اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله من مصيبته، وأخلف له خيرا منها" قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله لي خيرا منه: رسول الله صلى الله عليه وسلم (9) .
__________
(1) في جـ: "كيف".
(2) في جـ: "بما".
(3) في جـ: "ويزيدوا".
(4) في جـ: "وهو قوله".
(5) في ط: "خيرا".
(6) في أ: "القذى".
(7) في جـ: "من الغيرة فسيذهبها".
(8) المسند (4/27).
(9) صحيح مسلم برقم (918).
(1/468)
إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158)
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، وعباد بن عباد قالا حدثنا هشام بن أبي هشام، حدثنا عباد بن زياد، عن أمه، عن فاطمة ابنة (1) الحسين، عن أبيها الحسين بن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها -وقال عباد: قدم عهدها -فيحدث لذلك استرجاعا، إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب" (2) .
ورواه ابن ماجه في سننه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بن زياد، عن أمه، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها [الحسين] (3) (4) .
وقد رواه إسماعيل بن علية، ويزيد بن هارون، عن هشام بن زياد (5) عن أبيه، كذا عن، فاطمة، عن أبيها.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق السالحيني، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان قال: دفنت ابنا لي، فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة -يعني الخولاني -فأخرجني، وقال لي: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله (6) :يا ملك الموت، قبضت ولد عبدي؟ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال نعم. قال: فما (7) قال؟ قال: حمدك واسترجع، قال: ابنو له بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد".
ثم رواه عن علي بن إسحاق، عن عبد الله بن المبارك. فذكره (8) . وهكذا رواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك ، به. (9) وقال: حسن غريب. واسم أبي سنان: عيسى بن سنان.





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]