الجمعة، 23 ديسمبر 2016

تدبر قوله تعالى { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون (221) }


هذا تحريم من الله عز وجل على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان. ثم إن كان عمومها مرادا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين [ولا متخذي أخدان] (3) } [المائدة: 5].
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب. وهكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومكحول، والحسن، والضحاك، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وغيرهم.
وقيل: بل المراد بذلك المشركون (4) من عبدة الأوثان، ولم يرد أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول، والله أعلم.
فأما ما رواه ابن جرير: حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثنا عبد الحميد بن بهرام الفزاري، حدثنا شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وحرم كل ذات دين غير الإسلام، قال الله عز وجل: { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } [المائدة: 5] . وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب غضبا شديدا، حتى هم أن يسطو عليهما. فقالا نحن نطلق يا أمير المؤمنين، ولا تغضب! فقال: لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن، ولكني أنتزعهن منكم صغرة قمأة (5) -فهو حديث غريب جدا. وهذا الأثر عن عمر غريب أيضا.
__________
(1) في جـ: "عندي حدة".
(2) في أ، و: "وأخرجكم".
(3) زيادة من جـ.
(4) في أ، و: "المشركين".
(5) تفسير الطبري (4/364).
(1/582)
قال أبو جعفر بن جرير، رحمه الله، بعد حكايته الإجماع على إباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك، لئلا يزهد الناس في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، كما حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس، حدثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: خل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن (1) .
وهذا إسناد صحيح، وروى الخلال عن محمد بن إسماعيل، عن وكيع، عن الصلت (2) نحوه.
وقال ابن جرير: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا سفيان (3) بن سعيد، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب قال: قال [لي] (4) عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة.
قال: وهذا أصح إسنادا من الأول (5) (6) .
ثم قال: وقد حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق الأزرق (7) عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا".
ثم قال: وهذا الخبر -وإن كان في إسناده ما فيه -فالقول به لإجماع الجميع من الأمة على صحة القول (8) به (9) .
كذا قال ابن جرير، رحمه الله.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر: أنه كره نكاح أهل الكتاب، وتأول (10) { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن }
وقال البخاري: وقال ابن عمر: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول: ربها (11) عيسى (12) .
وقال أبو بكر الخلال الحنبلي: حدثنا محمد بن هارون (13) حدثنا إسحاق بن إبراهيم(ح) وأخبرني محمد بن علي، حدثنا صالح بن أحمد: أنهما سألا أبا عبد الله أحمد بن حنبل، عن قول
__________
(1) تفسير الطبري (4/366).
(2) في جـ: "عن الفضل".
(3) في أ: "شقيق".
(4) زيادة من جـ.
(5) في جـ: "وهذا إسناد أصح من الأول".
(6) تفسير الطبري (4/367).
(7) في أ: "وقد حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا عثمان بن المنتصر، أخبرنا إسحاق الأزرق".
(8) في جـ، أ، و: "الجميع من الأمة عليه".
(9) تفسير الطبري (4/367).
(10) في جـ: "ولا يتأول".
(11) في أ: "ربنا".
(12) صحيح البخاري برقم (5285) وهو هنا موصولا عن ابن عمر.
(13) في أ، و: "محمد بن أبي هارون".
(1/583)
ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222) نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223)
الله: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } قال: مشركات العرب الذين يعبدون الأوثان (1) .
وقوله: { ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم } قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء، فغضب عليها فلطمها، ثم فزع، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبرها. فقال له: "ما هي؟" قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: "يا أبا عبد الله، هذه مؤمنة". فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها (2) . ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: نكح أمة. وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله: { ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم } { ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم }
وقال عبد بن حميد: حدثنا جعفر بن عون، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكحوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن (3) وانكحوهن على الدين، فلأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل" (4) . والإفريقي ضعيف.
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها ولجمالها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك" (5) . ولمسلم عن جابر مثله (6) . وله، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" (7) .
وقوله: { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } أي: لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات، كما قال تعالى: { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } [الممتحنة: 10].
ثم قال تعالى: { ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم } أي: ولرجل مؤمن -ولو كان عبدا حبشيا -خير من مشرك، وإن كان رئيسا سريا (8) { أولئك يدعون إلى النار } أي: معاشرتهم ومخالطتهم تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة { والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه } أي: بشرعه وما أمر به وما نهى عنه { ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون }
{ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222) نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) }





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

تدبر قوله تعالى { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم }

 الآية: قال ابن جرير:
حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } [الإسراء: 34] و { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } [النساء: 10] انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم } فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم (3) .
وهكذا رواه أبو داود، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من طرق، عن عطاء بن السائب، به (4) . وكذا رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وكذا رواه السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة، عن ابن مسعود -بمثله. وهكذا ذكر (5) غير واحد في سبب نزول هذه الآية كمجاهد، وعطاء، والشعبي، وابن أبي ليلى، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف.
قال وكيع بن الجراح: حدثنا هشام الدستوائي (6) عن حماد، عن إبراهيم قال: قالت عائشة:
__________
(1) في جـ، أ، و: "التميمي".
(2) زيادة من جـ.
(3) تفسير الطبري (4/350).
(4) سنن أبي داود برقم (2871) وسنن النسائي (6/256) والمستدرك (2/278).
(5) في جـ: "وهكذا رواه".
(6) في جـ: "حدثنا صاحب الدستوائي"، وفي أ: "حدثنا هشام صاحب الدستوائي".
(1/581)
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون (221)
إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي عرة (1) حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي.
فقوله: { قل إصلاح لهم خير } أي: على حدة { وإن تخالطوهم فإخوانكم } أي: وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم، فلا بأس عليكم؛ لأنهم إخوانكم في الدين؛ ولهذا قال: { والله يعلم المفسد من المصلح } أي: يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح.
وقوله: { ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم } أي: ولو شاء لضيق عليكم وأحرجكم (2) ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، كما قال: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } [الأنعام: 152]، ، بل قد جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجانا كما سيأتي بيانه في سورة النساء، إن شاء الله، وبه الثقة.
{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون (221) }





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

تدبر قوله تعالى { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (219) }


(1/578)
في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم (220)

قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت هذه الآية التي في البقرة: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير [ومنافع للناس] (1) } فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في النساء: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [النساء: 43]، فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى: ألا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في المائدة. فدعي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ: { فهل أنتم منتهون } [المائدة: 91]؟ قال عمر: انتهينا، انتهينا (2) .
وهكذا رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق (3) . وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي، عن عمر. وليس له عنه سواه، لكن قال أبو زرعة: لم يسمع منه. والله أعلم. وقال علي بن المديني: هذا إسناد صالح وصححه الترمذي. وزاد ابن أبي حاتم -بعد قوله: انتهينا -: إنها تذهب المال وتذهب العقل. وسيأتي هذا الحديث أيضا مع ما رواه أحمد من
__________
(1) زيادة من جـ.
(2) المسند (1/53).
(3) سنن أبي داود برقم (3670) وسنن الترمذي برقم (3049) وسنن النسائي (8/286).
(1/578)
طريق أبي هريرة أيضا (1) -عند قوله في سورة المائدة: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } [المائدة: 90] الآيات.
فقوله: { يسألونك عن الخمر والميسر } أما الخمر فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: إنه كل ما خامر العقل. كما سيأتي بيانه في سورة المائدة، وكذا الميسر، وهو القمار.
وقوله: { قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية، من حيث إن (2) فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذة الشدة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا لا ينهنهها اللقاء ...
وكذا بيعها والانتفاع بثمنها. وما كان يقمشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله. ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال: { وإثمهما أكبر من نفعهما } ؛ ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة؛ ولهذا قال عمر، رضي الله عنه، لما قرئت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } [المائدة: 90، 91] وسيأتي الكلام على ذلك في سورة المائدة إن شاء الله، وبه الثقة.
قال ابن عمر، والشعبي، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه (3) أول آية نزلت في الخمر: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير [ومنافع للناس] (4) } ثم نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم التي في المائدة، فحرمت الخمر (5) .
وقوله: { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قرئ بالنصب وبالرفع (6) وكلاهما حسن متجه قريب.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، حدثنا يحيى أنه بلغه: أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله، إن لنا أرقاء وأهلين [فما ننفق] (7) من أموالنا. فأنزل الله: { ويسألونك ماذا ينفقون } (8) .
وقال الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قال: ما يفضل عن أهلك.
__________
(1) في جـ: "عنه".
(2) في و: "إن كان فيها".
(3) في أ: "هذا".
(4) زيادة من جـ.
(5) في أ: "فحرمت الخمر فلله الحمد".
(6) في جـ: "بالرفع والنصب".
(7) زيادة من أ.
(8) وهذا منقطع، فإن يحيى بن سعيد بينه وبين معاذ قرن من الزمان.
(1/579)
وكذا روي عن ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة، والقاسم، وسالم، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، وغير واحد: أنهم قالوا في قوله: { قل العفو } يعني الفضل.
وعن طاوس: اليسير من كل شيء، وعن الربيع أيضا: أفضل مالك، وأطيبه.
والكل يرجع إلى الفضل.
وقال عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هوذة بن خليفة، عن عوف، عن الحسن: { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قال: ذلك ألا تجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس.
ويدل على ذلك ما رواه ابن جرير: حدثنا علي بن مسلم، حدثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، عندي دينار؟ قال: "أنفقه على نفسك". قال: عندي آخر؟ قال: "أنفقه على أهلك". قال: عندي آخر؟ قال: "أنفقه على ولدك". قال: عندي آخر؟ قال: "فأنت أبصر".
وقد رواه مسلم في صحيحه (1) . وأخرج مسلم أيضا عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا" (2) .
وعنده عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول" (3) .
وفي الحديث أيضا: "ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف" (4) .
ثم قد قيل: إنها منسوخة بآية الزكاة، كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس، وقاله عطاء الخراساني والسدي، وقيل: مبينة بآية الزكاة، قاله مجاهد وغيره، وهو أوجه.
وقوله: { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة } أي: كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده، ووعيده، لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة.
__________
(1) تفسير الطبري (4/340)، وأما قول الحافظ بأنه في صحيح مسلم، فقد قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله -: "وهم - رحمه الله - فإن الحديث ليس في صحيح مسلم على اليقين بعد طول التتبع مني ومن أخي السيد محمود". قلت: لم يذكره المزي في تحفة الأشراف معزوا لمسلم، وإنما عزاه لأبي داود وغيره.
(2) صحيح مسلم برقم (997).
(3) هو في صحيح البخاري برقم (1428) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في صحيح مسلم برقم (1034) من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه.
(4) رواه مسلم في صحيحه برقم (1036) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.
(1/580)
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو أسامة، عن الصعق العيشي (1) قال: شهدت الحسن -وقرأ هذه الآية من البقرة: { لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة } قال: هي والله لمن تفكر فيها، ليعلم أن الدنيا دار بلاء، ثم دار فناء، وليعلم أن الآخرة دار جزاء، ثم دار بقاء.
وهكذا قال قتادة، وابن جريج، وغيرهما.
وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: لتعلموا فضل الآخرة على الدنيا. وفي رواية عن قتادة: فآثروا الآخرة على الأولى.
[وقد ذكرنا عند قوله تعالى في سورة آل عمران: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } [آل عمران: 190] آثارا كثيرة عن السلف في معنى التفكر والاعتبار] (2) .
وقوله: { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم } الآية: قال





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

تدبر قوله تعالى { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (217) إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم (218) }


قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثني الحضرمي، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح [أو عبيدة بن الحارث] (5) فلما ذهب ينطلق، بكى صبابة (6) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا، وأمره ألا يقرأ
__________
(1) في أ: "في الصحيحين".
(2) صحيح مسلم برقم (1910) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) رواه البخاري في صحيحه برقم (1834، 2783 ، 2825) ومسلم في صحيحه برقم (1353) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) في أ: "على".
(5) زيادة من طـ، أ، و.
(6) في جـ: "بكى صبيانه".
(1/573)
الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: لا تكرهن أحدا على السير معك من أصحابك. فلما قرأ الكتاب استرجع، وقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله. فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، وبقي بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى. فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام! فأنزل الله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } الآية.
وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة، عن ابن مسعود: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية، وكانوا سبعة نفر، عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي -حليف لبني نوفل -وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي، حليف لعمر بن الخطاب. وكتب لابن جحش كتابا، وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل (1) فلما نزل بطن ملل (2) فتح الكتاب، فإذا فيه: أن سر حتى تنزل بطن نخلة. فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص، وعتبة، وأضلا راحلة لهما فأتيا بحران (3) يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، وعبد الله بن المغيرة. وانفلت [ابن] (4) المغيرة، [فأسروا الحكم بن كيسان والمغيرة] (5) وقتل عمرو، قتله واقد بن عبد الله. فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين (6) وما أصابوا المال، أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى ننظر ما فعل صاحبانا" فلما رجع سعد وصاحبه، فادى بالأسيرين، ففجر عليه المشركون وقالوا: إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أول من استحل الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب. فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى -وقيل: في أول رجب، وآخر ليلة من جمادى -وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب. فأنزل الله يعير أهل مكة: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عنه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه، حين أخرجوا محمدا صلى الله عليه وسلم أكبر من القتل عند الله.
وقال العوفي، عن ابن عباس: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردوه عن المسجد [الحرام] (7) في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل. فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام. فقال الله: { وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر } من القتال فيه. وأن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث سرية فلقوا عمرو بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى، وأول ليلة من
__________
(1) في جـ: "مالك".
(2) في جـ: "مالك".
(3) في أ، و: "يجوبان".
(4) زيادة من أ.
(5) زيادة من أ.
(6) في جـ، ط، أ، و: "بأسيرين".
(7) زيادة من أ.
(1/574)
رجب. وأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه. وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك. فقال الله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } وغير ذلك أكبر منه: صد عن سبيل الله، وكفر به والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه (1) ، إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والشرك أشد منه.
وهكذا روى أبو سعد (2) البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس أنها أنزلت (3) في سرية عبد الله بن جحش، وقتل عمرو بن الحضرمي.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } إلى آخر الآية.
وقال عبد الملك بن هشام راوي السيرة، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني، رحمه الله، في كتاب السيرة له، أنه قال: وبعث -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم -عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب، مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا. وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين. ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش، وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حرثان، أحد بني أسد ابن خزيمة، حليف لهم. ومن بني نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان بن جابر، حليف لهم. ومن بني زهرة بن كلاب: سعد بن أبي وقاص. ومن بني عدي بن كعب: عامر بن ربيعة، حليف لهم من عنز بن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع، أحد بني تميم، حليف لهم. وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث، حليف لهم. ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء.
فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، ترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم". فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعا وطاعة. ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة، أرصد بها قريشا، حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم. فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد.
فسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن، فوق الفرع، يقال له: بحران (4) أضل سعد بن
__________
(1) في جـ: "منه أكبر عند الله".
(2) في ط: "أبو سعيد".
(3) في جـ، أ: "أنها نزلت".
(4) في جـ: "نجران".
(1/575)
أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما، كانا يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش، فيها: عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان، مولى هشام بن المغيرة.
فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عمار، لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام. فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم. فرمى واقد بن عبد الله التميمي (1) عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم. وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة.
قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم، فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه.
قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام". فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه (2) الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال. فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان.
وقالت: يهود تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله: عمرو: عمرت الحرب، والحضرمي: حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله: وقدت الحرب. فجعل الله عليهم ذلك لا لهم.
فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل } أي: إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم (3) منهم، { والفتنة أكبر من القتل } أي: قد كانوا يفتنون المسلم في دينه، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه (4) فذلك أكبر عند الله من القتل:
__________
(1) في أ: "السهمي".
(2) في جـ: "فيها".
(3) في جـ: "من قتل".
(4) في أ: "يفتنون المسلمين في دينهم حتى يردوهم إلى الكفر بعد إيمانهم".
(1/576)
{ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين.
قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا -يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة ابن غزوان -فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم.
فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا. وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة، فمات بها كافرا.
قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين [المهاجرين] (1) ؟ فأنزل الله عز وجل: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم } فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء.
قال ابن إسحاق: والحديث في هذا عن الزهري، ويزيد بن رومان، عن عروة.
وقد روى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قريبا من هذا السياق. وروى موسى بن عقبة عن الزهري نفسه، نحو ذلك.
وروى شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن عروة بن الزبير نحوا من هذا أيضا، وفيه: فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله: { يسألونك عن الشهر الحرام [قتال فيه] (2) } الآية. وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب "دلائل النبوة".
ثم قال ابن هشام عن زياد، عن ابن إسحاق: وقد ذكر عن بعض آل عبد الله [بن جحش] (3) أن الله قسم الفيء حين أحله، فجعل أربعة أخماس لمن أفاءه، وخمسا إلى الله ورسوله. فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير (4) .
قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون. وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون، وعثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون (5) .
قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، في غزوة عبد الله بن جحش، ويقال: بل عبد الله بن جحش قالها، حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه
__________
(1) زيادة من جـ.
(2) زيادة من جـ، ط.
(3) زيادة من أ.
(4) السيرة النبوية لابن هشام (1/605).
(5) السيرة النبوية لابن هشام (1/605).
(1/577)
يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (219)
الدم، وأخذوا فيه المال، وأسروا فيه الرجال. قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش:
تعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد ...
صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد ...
وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد ...
فإنا وإن عيرتمونا بقتله ... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد ...
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد ...
دما وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غل من القد عاند ...
{ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (219) }
(1/578)
في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم (220)





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

الخميس، 22 ديسمبر 2016

تدبر قوله تعالى { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (217) إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم (218) }



قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثني الحضرمي، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح [أو عبيدة بن الحارث] (5) فلما ذهب ينطلق، بكى صبابة (6) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا، وأمره ألا يقرأ
__________
(1) في أ: "في الصحيحين".
(2) صحيح مسلم برقم (1910) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) رواه البخاري في صحيحه برقم (1834، 2783 ، 2825) ومسلم في صحيحه برقم (1353) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) في أ: "على".
(5) زيادة من طـ، أ، و.
(6) في جـ: "بكى صبيانه".
(1/573)
الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: لا تكرهن أحدا على السير معك من أصحابك. فلما قرأ الكتاب استرجع، وقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله. فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، وبقي بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى. فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام! فأنزل الله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } الآية.
وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة، عن ابن مسعود: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية، وكانوا سبعة نفر، عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي -حليف لبني نوفل -وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي، حليف لعمر بن الخطاب. وكتب لابن جحش كتابا، وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل (1) فلما نزل بطن ملل (2) فتح الكتاب، فإذا فيه: أن سر حتى تنزل بطن نخلة. فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص، وعتبة، وأضلا راحلة لهما فأتيا بحران (3) يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، وعبد الله بن المغيرة. وانفلت [ابن] (4) المغيرة، [فأسروا الحكم بن كيسان والمغيرة] (5) وقتل عمرو، قتله واقد بن عبد الله. فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين (6) وما أصابوا المال، أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى ننظر ما فعل صاحبانا" فلما رجع سعد وصاحبه، فادى بالأسيرين، ففجر عليه المشركون وقالوا: إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أول من استحل الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب. فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى -وقيل: في أول رجب، وآخر ليلة من جمادى -وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب. فأنزل الله يعير أهل مكة: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عنه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه، حين أخرجوا محمدا صلى الله عليه وسلم أكبر من القتل عند الله.
وقال العوفي، عن ابن عباس: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردوه عن المسجد [الحرام] (7) في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل. فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام. فقال الله: { وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر } من القتال فيه. وأن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث سرية فلقوا عمرو بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى، وأول ليلة من
__________
(1) في جـ: "مالك".
(2) في جـ: "مالك".
(3) في أ، و: "يجوبان".
(4) زيادة من أ.
(5) زيادة من أ.
(6) في جـ، ط، أ، و: "بأسيرين".
(7) زيادة من أ.
(1/574)
رجب. وأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه. وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك. فقال الله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } وغير ذلك أكبر منه: صد عن سبيل الله، وكفر به والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه (1) ، إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والشرك أشد منه.
وهكذا روى أبو سعد (2) البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس أنها أنزلت (3) في سرية عبد الله بن جحش، وقتل عمرو بن الحضرمي.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } إلى آخر الآية.
وقال عبد الملك بن هشام راوي السيرة، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني، رحمه الله، في كتاب السيرة له، أنه قال: وبعث -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم -عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب، مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا. وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين. ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش، وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حرثان، أحد بني أسد ابن خزيمة، حليف لهم. ومن بني نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان بن جابر، حليف لهم. ومن بني زهرة بن كلاب: سعد بن أبي وقاص. ومن بني عدي بن كعب: عامر بن ربيعة، حليف لهم من عنز بن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع، أحد بني تميم، حليف لهم. وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث، حليف لهم. ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء.
فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، ترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم". فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعا وطاعة. ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة، أرصد بها قريشا، حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم. فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد.
فسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن، فوق الفرع، يقال له: بحران (4) أضل سعد بن
__________
(1) في جـ: "منه أكبر عند الله".
(2) في ط: "أبو سعيد".
(3) في جـ، أ: "أنها نزلت".
(4) في جـ: "نجران".
(1/575)
أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما، كانا يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش، فيها: عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان، مولى هشام بن المغيرة.
فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عمار، لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام. فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم. فرمى واقد بن عبد الله التميمي (1) عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم. وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة.
قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم، فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه.
قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام". فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه (2) الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال. فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان.
وقالت: يهود تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله: عمرو: عمرت الحرب، والحضرمي: حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله: وقدت الحرب. فجعل الله عليهم ذلك لا لهم.
فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل } أي: إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم (3) منهم، { والفتنة أكبر من القتل } أي: قد كانوا يفتنون المسلم في دينه، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه (4) فذلك أكبر عند الله من القتل:
__________
(1) في أ: "السهمي".
(2) في جـ: "فيها".
(3) في جـ: "من قتل".
(4) في أ: "يفتنون المسلمين في دينهم حتى يردوهم إلى الكفر بعد إيمانهم".
(1/576)
{ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين.
قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا -يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة ابن غزوان -فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم.
فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا. وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة، فمات بها كافرا.
قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين [المهاجرين] (1) ؟ فأنزل الله عز وجل: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم } فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء.
قال ابن إسحاق: والحديث في هذا عن الزهري، ويزيد بن رومان، عن عروة.
وقد روى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قريبا من هذا السياق. وروى موسى بن عقبة عن الزهري نفسه، نحو ذلك.
وروى شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن عروة بن الزبير نحوا من هذا أيضا، وفيه: فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله: { يسألونك عن الشهر الحرام [قتال فيه] (2) } الآية. وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب "دلائل النبوة".
ثم قال ابن هشام عن زياد، عن ابن إسحاق: وقد ذكر عن بعض آل عبد الله [بن جحش] (3) أن الله قسم الفيء حين أحله، فجعل أربعة أخماس لمن أفاءه، وخمسا إلى الله ورسوله. فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير (4) .
قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون. وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون، وعثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون (5) .
قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، في غزوة عبد الله بن جحش، ويقال: بل عبد الله بن جحش قالها، حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه
__________
(1) زيادة من جـ.
(2) زيادة من جـ، ط.
(3) زيادة من أ.
(4) السيرة النبوية لابن هشام (1/605).
(5) السيرة النبوية لابن هشام (1/605).
(1/577)
يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (219)
الدم، وأخذوا فيه المال، وأسروا فيه الرجال. قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش:
تعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد ...
صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد ...
وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد ...
فإنا وإن عيرتمونا بقتله ... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد ...
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد ...
دما وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غل من القد عاند ...
{ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (219) }
(1/578)
في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم (220)





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

تدبر قوله تعالى { كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) }


هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين: أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام.
(1/572)
يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (217) إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم (218)
وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد، غزا أو قعد؛ فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد.
قلت: ولهذا ثبت في الصحيح (1) "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية" (2) . وقال عليه السلام يوم الفتح: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية، إذا استنفرتم فانفروا" (3) .
وقوله: { وهو كره لكم } أي: شديد عليكم ومشقة. وهو كذلك، فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع (4) مشقة السفر ومجالدة الأعداء.
ثم قال تعالى: { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } أي: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم، وأموالهم، وذراريهم، وأولادهم.
{ وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } وهذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئا، وليس له فيه خيرة ولا مصلحة. ومن ذلك القعود عن القتال، قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم.
ثم قال تعالى: { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم؛ فاستجيبوا له، وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون.
{ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (217) إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم (218) }





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

السبت، 17 ديسمبر 2016

تدبر قوله تعالى { يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215) }


قال مقاتل بن حيان: هذه الآية في نفقة التطوع. وقال السدي: نسختها الزكاة. وفيه نظر. ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ قاله ابن عباس ومجاهد، فبين لهم تعالى ذلك، فقال: { قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل } أي: اصرفوها في هذه الوجوه. كما جاء في الحديث: "أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك". وتلا ميمون بن مهران هذه الآية، ثم قال: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلا ولا مزمارا، ولا تصاوير الخشب، ولا كسوة الحيطان.
ثم قال تعالى: { وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } أي: مهما صدر منكم من فعل معروف، فإن الله يعلمه، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء؛ فإنه لا يظلم أحدا مثقال ذرة.
__________
(1) في أ، و: "فكيف كانت".
(2) في أ: "الرجل يبتلى ثم تكون له العاقبة".
(3) حديث هرقل رواه البخاري في صحيحه برقم (7).
(4) في أ، و: "الصبر".
(5) في أ: "عجب ربكم".
(6) في أ: "وقرب خيره".
(7) في أ: "أن فرجكم".
(8) رواه ابن ماجة في السنن برقم (181) من طريق يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين به، وقال البوصيري في الزوائد (1/85): "هذا إسناد فيه مقال".
(1/572)
كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216)






المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

تدبر قوله تعالى { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر }

قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس (8) بن عباد، عن ابن عباس، قال: فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر، وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر (9) . [قال] (10) فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلمه، فإذا تعلم خرج منه النور، فنظر (11) إليه ساطعا في السماء، فيقول: يا حسرتاه!
__________
(1) في ط، ب، أ، و: "ديناوند".
(2) في أ: "ما قاله".
(3) تفسير ابن أبي حاتم (1/ 304)، وما بين المعقوفين ليس في تفسير ابن أبي حاتم.
(4) سنن أبي داود برقم (490، 491).
(5) في جـ، ط، ب، أ، و: "وسكت عليه".
(6) في ب: "أوليانوس".
(7) في ب، أ، و: "ثنتان".
(8) في أ: "عن بشر".
(9) في ب: "أن الكفر من السحر".
(10) زيادة من جـ، أ، و.
(11) في أ: "فينظر".
(1/362)
يا ويله! ماذا أصنع (1) ؟.
وعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: نعم، أنزل الملكان بالسحر، ليعلما (2) الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدا حتى يقولا { إنما نحن فتنة فلا تكفر } رواه ابن أبي حاتم، وقال قتادة: كان أخذ عليهما ألا يعلما أحدا حتى يقولا { إنما نحن فتنة فلا تكفر } -أي: بلاء ابتلينا به-{ فلا تكفر }
وقال [قتادة و] (3) السدي: إذا أتاهما إنسان يريد السحر، وعظاه، وقالا له: لا تكفر، إنما نحن فتنة. فإذا أبى قالا له: ائت هذا الرماد، فبل عليه. فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان. وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكل شيء [منه] (4) . وذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر، فذلك قول الله تعالى: { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } الآية.
وقال سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج في هذه الآية: لا يجترئ على السحر إلا كافر.
وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار، ومنه قول الشاعر:
وقد فتن الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان شرا طويلا (5)
وكذلك (6) قوله تعالى إخبارا عن موسى، عليه السلام، حيث قال: { إن هي إلا فتنتك } أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك { تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء } [الأعراف: 155] (7) .
وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، ويستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله، قال: من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا إسناد جيد (8) وله شواهد أخر.
وقوله تعالى: { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون فيه من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف. وهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في صحيحه، من حديث الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله، رضي الله
__________
(1) في أ، و: "ماذا صنع".
(2) في أ، و: "ليعلموا" وهو خطأ.
(3) زيادة من و.
(4) زيادة من أ، و.
(5) البيت في تفسير الطبري (2/ 444) وانظر هناك الاختلاف في قائله.
(6) في ط، ب، أ، و: "وكذا".
(7) في جـ، ط، ب، أ، و: "وتهدي من تشاء الآية".
(8) في جـ، ط، ب، أ، و: "إسناد صحيح".
(1/363)
عنه (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إن الشيطان ليضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئا. ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله (2) قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه، ويقول: نعم أنت (3) .
وسبب التفرق بين الزوجين بالسحر: ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق أو نحو ذلك أو عقد أو بغضه، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة.
والمرء عبارة عن الرجل، وتأنيثه امرأة، ويثنى كل منهما ولا يجمعان، والله أعلم.
وقوله تعالى: { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله. وقال محمد بن إسحاق إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد. وقال الحسن البصري: { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } قال: نعم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى، وفي رواية عن الحسن أنه قال: لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه.
وقوله تعالى: { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم } أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره.
{ ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق } أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول (4) صلى الله عليه وسلم لمن فعل فعلهم ذلك، أنه ما له في الآخرة من خلاق.
قال ابن عباس ومجاهد والسدي: من نصيب. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ما له في الآخرة من جهة عند الله (5) وقال: وقال الحسن: ليس له دين.
وقال سعد (6) عن قتادة: { ما له في الآخرة من خلاق } قال: ولقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة.
وقوله تعالى: { ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون* ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون } يقول تعالى: { ولبئس } البديل ما استبدلوا به من السحر عوضا عن الإيمان، ومتابعة الرسل (7) لو كان لهم علم بما وعظوا به { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير } أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم، لكان مثوبة الله على ذلك خيرا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به، كما قال تعالى: { وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون } [القصص: 80] .
__________
(1) في ب: "عنهما".
(2) في جـ: "وبين زوجه".
(3) صحيح مسلم برقم (2813).
(4) في أ: "متابعة الرسل".
(5) في أ: "ما له في الآخرة من خلاق".
(6) في ط، ب، و: "سعيد".
(7) في أ: "الرسول".
(1/364)
وقد استدل بقوله: { ولو أنهم آمنوا واتقوا } من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف. وقيل: بل لا يكفر، ولكن حده ضرب عنقه، لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل، رحمهما الله: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أنه سمع بجالة بن عبدة يقول: كتب [أمير المؤمنين] (1) عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر (2) . وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضا (3) . وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها، فأمرت بها فقتلت (4) . قال أحمد بن حنبل: صح من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [أذنوا] (5) في قتل الساحر.
وروى الترمذي من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حد الساحر ضربه بالسيف" (6) .
ثم قال: لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث، والصحيح: عن الحسن عن جندب موقوفا.
قلت: قد رواه الطبراني من وجه آخر، عن الحسن، عن جندب، مرفوعا (7) . والله أعلم.
وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب (8) عنق الساحر، وقال: إن كان صادقا (9) فليحي نفسه. وتلا قوله تعالى: { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } [الأنبياء: 3] فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك فسجنه ثم أطلقه، (10) والله أعلم.
وقال (11) أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثني أبو إسحاق، عن حارثة قال: كان عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملا
__________
(1) زيادة من جـ.
(2) رواه عبد الله بن أحمد في مسائل أبيه، ط. المكتب الإسلامي برقم (1542) عن أبيه عن سفيان به.
(3) صحيح البخاري برقم (3156).
(4) رواه عبد الله بن أحمد في مسائل أبيه، ط. المكتب الإسلامي برقم (1543) عن أبيه عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن حفصة سحرتها جاريتها، فذكره.
(5) زيادة من جـ.
(6) سنن الترمذي برقم (1460).
(7) المعجم الكبير (2/ 161) من طريق محمد بن الحسن بن سيار، عن خالد العبد عن الحسن عن سمرة به.
(8) في جـ: "وضرب".
(9) في أ، و: "إن كان ساحرا".
(10) الرجل الذي قتله هو جندب بن كعب، انظر القصة في: أسد الغابة لابن الأثير في ترجمة جندب بن كعب (1 /361) وفي الإصابة للحافظ ابن حجر (1/ 251).
(11) في و: "وقال الإمام".
(1/365)
على سيفه فقتله، فقال: أراه كان ساحرا، وحمل الشافعي، رحمه الله، قصة عمر، وحفصة (1) على سحر يكون شركا. والله أعلم. فصل
حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كفروا من اعتقد وجوده. قال: وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارا، والحمار إنسانا، إلا أنهم قالوا: إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى و [تلك] (2) الكلمات المعينة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا خلافا للفلاسفة والمنجمين الصابئة، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق الله تعالى، بقوله تعالى: { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } ومن الأخبار بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر، وأن السحر عمل فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة، رضي الله عنها، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر، قال: وبما يذكر (3) في هذا الباب من الحكايات الكثيرة، ثم قال بعد هذا:
المسألة الخامسة في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور: اتفق المحققون على ذلك؛ لأن (4) العلم لذاته شريف وأيضا لعموم قوله تعالى: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } [الزمر: 9] ؛ ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز معجزا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب؛ فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا، وما يكون واجبا فكيف يكون حراما وقبيحا؟!
هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه، أحدها: قوله: "العلم بالسحر ليس بقبيح". إن عنى به ليس بقبيح عقلا فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا (5) وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعا، ففي هذه الآية الكريمة تبشيع (6) لتعلم السحر، وفي الصحيح: "من أتى عرافا أو كاهنا، فقد كفر بما أنزل على محمد" (7) . وفي السنن: "من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر" (8) . وقوله: ولا محظور اتفق المحققون على ذلك". كيف لا يكون محظورا مع ما ذكرناه من الآية والحديث؟! واتفاق المحققين (9) يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك؟ ثم إدخاله [علم] (10) السحر في عموم قوله: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي، ولم
__________
(1) في جـ: "في قصة حفصة وعمر".
(2) زيادة من جـ.
(3) في جـ: "وما يذكر".
(4) في جـ، ط: "فإن".
(5) في جـ: "ذلك".
(6) في أ: "متسع".
(7) صحيح مسلم برقم (2230) من حديث بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وليس فيه: "كاهنا" والعراف من جملة أنواع الكهان.
(8) رواه النسائي في السنن (7/ 112) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(9) في أ: "المحدثين".
(10) زيادة من جـ، ب، أ، و. وفي ط "تعلم".
(1/366)
قلت إن هذا منه؟ ثم ترقيه (1) إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به، ضعيف بل فاسد؛ لأن معظم (2) معجزات رسولنا، عليه الصلاة والسلام (3) هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلا ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم، كانوا يعلمون المعجز، ويفرقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه، والله أعلم.
ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية:
الأول: سحر الكلدانيين والكشدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم (4) وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بعث (5) إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم مبطلا لمقالتهم ورادا لمذهبهم (6) وقد استقصى في "كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم" المنسوب إليه فيما (7) ذكره القاضي ابن خلكان وغيره (8) ويقال: إنه تاب منه. وقيل (9) إنه (10) صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد. وهذا هو المظنون به، إلا أنه ذكر فيه طرائقهم في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه، وما يتنسكون به.
قال: والنوع الثاني: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدل على أن الوهم له تأثير، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودا على نهر أو نحوه. قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف (11) عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة (12) للأوهام.
قال: وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق.
وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين" (13) .
قال: فإذا عرفت هذا، فنقول: النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدا، فتستغني في هذه الأفاعيل (14) عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه
__________
(1) في أ: "فرقته".
(2) في جـ، ب، أ، و: "لأن أعظم".
(3) في جـ: "صلى الله عليه وسلم".
(4) في جـ: "مدبرة للعالم".
(5) في جـ، ب، أ: "بعث الله".
(6) في جـ، ط، ب، أ، و: "لمذاهبهم".
(7) في ب: "كما".
(8) وفيات الأعيان (3/ 381).
(9) في جـ، ط: "ويقال".
(10) في جـ، ط، ب: "بل".
(11) في جـ: "المرفوع"، وفي ط: "الموضوع".
(12) في جـ، ط، ب، و: "منطبعة"، وفي أ: "منطبقة".
(13) صحيح مسلم برقم (2188) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه.
(14) في جـ، ط، ب، أ، و: "هذه الأفعال".
(1/367)
الآلات. وتحقيقه أن النفس إذا كانت مستعلية (1) على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات، صارت كأنها روح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم. وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات (2) البدنية، فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن. ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس والرياء (3) .
قلت: وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو على قسمين: تارة تكون حالا صحيحة شرعية يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويترك ما نهى الله عنه ورسوله، وهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتصرف بها في ذلك. فهذه (4) حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله (5) إياهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجال -لعنه الله-له من الخوارق العادات (6) ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعا لعنه الله. وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وبسط هذا يطول جدا، وليس هذا موضعه.
قال: النوع الثالث من السحر: الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن، خلافا للفلاسفة والمعتزلة: وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار، وهم الشياطين. قال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة (7) والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخل (8) والتجريد. وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير (9) .
النوع الرابع من السحر: التخيلات، والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه [على] (10) أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم (11) الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه، عمل شيئا آخر عملا بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه. فيتعجبون منه جدا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما (12) يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.
قال: وكلما كانت الأحوال تفيد حسن البصر نوعا من أنواع الخلل (13) أشد، كان العمل
__________
(1) في جـ، ط، ب، و: "مشتغلة"، وفي أ: "مستقبلة".
(2) في جـ، ط، ب، أ، و: "اللذات".
(3) في جـ، ط، ب، و: "والرياضة".
(4) في جـ: "فهذا".
(5) في جـ: "أعطاهم الله"، وفي أ: "على عطاء الله".
(6) في جـ: "والعادات".
(7) في جـ: "من المناسب".
(8) في جـ، ط، ب، أ، و: "والدخن".
(9) في ط، ب، أ، و: "وعمل تسخير".
(10) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(11) في جـ: "إذا استقر".
(12) في ط: "مما".
(13) في جـ: "الخلال".
(1/368)
أحسن، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدا، أو مظلم، فلا تقف القوة الناظرة (1) على أحوالها بكلالها (2) والحالة هذه.
قلت: وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى: { فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم } [الأعراف: 116] وقال تعالى: { يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } [طه: 66] قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم.
النوع الخامس من السحر: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب (3) بالبوق، من غير أن يمسه أحد. ومنها الصور التي تصورها الروم والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصورونها ضاحكة وباكية.
إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطيف أمور المخاييل. قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل.
قلت: يعني ما قاله بعض المفسرين: أنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي، فحشوها زئبقا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها.
قال الرازي: ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال بالآلات الخفيفة.
قال: وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر؛ لأن لها أسبابا (4) معلومة يقينية (5) من اطلع عليها قدر عليها.
قلت: ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يرونهم إياه من الأنوار، كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببلد (6) المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام (7) [منهم] (8) وأما الخواص فهم يعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغا لهم. وفيه شبه (9) للجهلة الأغبياء من متعبدي (10) الكرامية الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم (11) : "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من
__________
(1) في جـ، ط، ب: "الباصرة".
(2) في جـ، ط، ب: "لكلالها" وفي أ: "بكمالها".
(3) في جـ، ط: "ضرب مرة".
(4) في أ: "أنسابا".
(5) في ط، أ: "متيقنة".
(6) في جـ: "ببيت" وفي و: "بالبلد".
(7) في جـ، ط، ب: "الطعام".
(8) زيادة من جـ، ط، ب.
(9) في جـ: "وفيه شبهة"، في أ: "وفيهم شبه".
(10) في أ: "متعدي".
(11) في جـ: "من قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم".
(1/369)
النار (1) ". وقوله: "حدثوا عني ولا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار" (2) .
ثم ذكر ههنا حكاية عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر حزين (3) الصوت ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور ترق له فتذهب فتلقي في وكره من ثمر الزيتون، ليتبلغ (4) به، فعمد هذا الراهب إلى صنعة طائر على شكله، وتوصل إلى أن جعله أجوف، فإذا دخلته الريح يسمع له (5) صوت كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابا من ناحيه، فتدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فيسمع صوتها كذلك الطائر في شكله أيضا، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئا كثيرا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه؟ ففتنهم بذلك، وأوهم (6) أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة (7) إلى يوم القيامة.
قال الرازي: النوع السادس من السحر: الاستعانة بخواص الأدوية يعني في الأطعمة والدهانات (8) . قال: واعلم أن لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن أثر المغناطيس مشاهد.
قلت: يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر ويتخيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعيا أنها أحوال له (9) من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات.
قال: النوع السابع من السحر: تعليق (10) القلب، وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن يكون ذلك السامع لذلك ضعيف العقل (11) قليل التمييز اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك وحصل في نفسه نوع من الرهب والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة (12) فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.
قلت: هذا النمط يقال له التنبلة، وإنما يروج على الضعفاء العقول من بني آدم. وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه، فإذا كان المتنبل حاذقا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره.
قال: النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة والتضريب (13) من وجوه خفيفة لطيفة، وذلك شائع في الناس.
__________
(1) هذا الحديث رواه جمع من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم عدهم الإمام الطبراني في جزء له فأوصلهم فوق الستين، وانظره في: صحيح البخاري برقم (107) من حديث الزبير رضي الله عنه، وفي مقدمة صحيح مسلم برقم (2-4) من حديث أنس وأبي هريرة والمغيرة رضي الله عنهم".
(2) رواه مسلم في مقدمة صحيحه برقم (1) من حديث علي رضي الله عنه.
(3) في أ، و ك: "حنين".
(4) في جـ، أ: "ليبتلع".
(5) في جـ، ط، ب، أ، و: "يسمع منه".
(6) في جـ: "وأوهمهم".
(7) في جـ، ط، ب: "التابعة"، وفي أ: "البالغة".
(8) في جـ: "في الأطعمة والدهان".
(9) في جـ: "أنها أحواله".
(10) في جـ: "تعلق".
(11) في ب، أ، و: "القلب".
(12) في جـ: "القوى الحسية".
(13) في ب: "التضرب".
(1/370)
قلت: النميمة على قسمين، تارة تكون على وجه التحريش [بين الناس] (1) وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه. فأما إذا (2) كانت على وجه الإصلاح [بين الناس] (3) وائتلاف كلمة المسلمين، كما جاء في الحديث: "ليس بالكذاب من ينم خيرا" أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة" فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث: "الحرب خدعة". وكما فعل نعيم بن مسعود (4) في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين (5) قريظة، وجاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلاما، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئا آخر، ثم لأم بين ذلك، فتناكرت النفوس وافترقت. وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء والبصيرة النافذة. والله المستعان.
ثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه.
قلت: وإنما أدخل كثيرا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر، للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عما لطف وخفي سببه. ولهذا جاء في الحديث: "إن من البيان لسحرا (6) . وسمي السحور لكونه يقع خفيا آخر الليل (7) والسحر: الرئة، وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سحرك (8) أي: انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة، رضي الله عنها: توفي رسول صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري. وقال: { سحروا أعين الناس } أي: أخفوا عنهم عملهم، والله أعلم (9) .
[فصل] (10) وقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة في كتابه: "الإشراف على مذاهب الأشراف" بابا في السحر، فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة، فإنه قال: لا حقيقة له عنده. واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقدا جوازه أو أنه ينفعه كفر. وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر. وقال الشافعي، رحمه الله: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك. فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر. وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر.
قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد: نعم. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا. فأما إن قتل بسحره إنسانا فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا
__________
(1) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و:"فأما إن".
(2) في جـ، ط، ب، أ، و.
(3) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(4) في جـ: "ابن الأسود".
(5) في جـ، ط، ب، أ، و: "وبني".
(6) في جـ، ط، ب، أ، و: "سحرا".
(7) في جـ: "الليلة".
(8) في جـ، ب، أ، و: "سحره".
(9) في جـ: "والله تبارك وتعالى أعلم".
(10) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(1/371)
يقتل حتى يتكرر منه ذلك (1) أو يقر بذلك في حق شخص (2) معين. وإذا قتل فإنه يقتل حدا عندهم إلا الشافعي، فإنه قال: يقتل -والحالة هذه-قصاصا.
قال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك، وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهما: لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل. وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل، كما يقتل الساحر المسلم. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يقتل. يعني لقصة لبيد بن أعصم (3) .
واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة (4) لا تقتل، ولكن تحبس. وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل، والله أعلم.
وقال أبو بكر الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: قرأ على أبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل-عمر بن هارون، حدثنا يونس، عن الزهري، قال: يقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر المشركين؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها.
وقد نقل القرطبي عن مالك، رحمه الله، أنه قال في الذمي إذا سحر يقتل إن قتل سحره، وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر: إحداهما: أنه يستتاب فإن أسلم وإلا قتل، والثانية: أنه يقتل وإن أسلم، وأما الساحر المسلم فإن تضمن سحره كفرا كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم لقوله تعالى: " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر " . لكن قال مالك: إذا ظهر عليه لم تقبل توبته لأنه كالزنديق، فإن تاب قبل أن يظهر عليه وجاءنا تائبا قبلناه ولم نقتله، فإن قتل سحره قتل. قال الشافعي: فإن قال: لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية.
مسألة: وهل يسأل الساحر حل سحره؟ فأجاز سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري، وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة، وكره ذلك الحسن البصري، وفي الصحيح عن عائشة: أنها قالت: يا رسول الله، هلا تنشرت، فقال: "أما الله فقد شفاني، وخشيت أن أفتح على الناس شرا" (5) . وحكى القرطبي عن وهب: أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته.
قلت: أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في إذهاب ذلك وهما المعوذتان، وفي الحديث: "لم يتعوذ المتعوذون بمثلهما" (6) وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان. وقال أبو عبد الله القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء.
__________
(1) في جـ: "منه الفعل".
(2) في أ: "في حق رجل".
(3) في أ: "لقضية لبيد بن الأعصم".
(4) في جـ، ط، ب، أ، و: "فعند أبي حنيفة أنها".
(5) صحيح البخاري برقم (5766) وصحيح مسلم برقم (2189).
(6) رواه النسائي في السنن (8/ 251) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(1/372)
يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم (104) ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105)
خلافا للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية حيث قالوا: إنه تمويه وتخيل. قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة والشعوذي البريد؛ لخفة سيره. قال ابن فارس: هذه الكلمة من كلام أهل البادية. قال القرطبي: ومنه ما يكون كلاما يحفظ ورقى من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك. قال: وقوله، عليه السلام: "إن من البيان لسحرا" (1) يحتمل أن يكون مدحا كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذما للبلاغة. قال: وهذا الأصح. قال: لأنها تصوب الباطل حين يوهم السامع أنه حق كما قال: "فلعل بعضكم أن يكون ألحن لحجته من بعض" فاقتضى له، الحديث.
{ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم (104) ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105) }
نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص -عليهم لعائن الله-فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا يقولون: راعنا. يورون (2) بالرعونة، كما قال تعالى: { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } [النساء: 46] وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]