السبت، 9 أبريل 2016

قال ابن كثير/ تفسير/ : { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95) ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (96) }


قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب. فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين } أي: بعلمهم بما عندهم من العلم بك، والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: { فتمنوا الموت } فسلوا الموت.
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قوله: { فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } قال: قال ابن عباس: لو تمنى اليهود الموت لماتوا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عثام، سمعت الأعمش -قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير-عن ابن عباس، قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه.
وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس.
وقال ابن جرير في تفسيره: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا. ولرأوا مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون (1) أهلا ولا مالا". حدثنا بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله (2) بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن يزيد (3) الرقي [أبي يزيد] (4) حدثنا فرات، عن عبد الكريم، به (5) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أحمد [قال] (6) : حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار،
__________
(1) في جـ: "ولا يجدون".
(2) في أ: "عبد الله".
(3) في جـ: "عن إسماعيل عن زيد"، وفي أ، و: "عن إسماعيل بن يزيد".
(4) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(5) تفسير الطبري (2/362) والمسند (1/248).
(6) زيادة من جـ.
(1/331)
حدثنا سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن، قال: قول الله ما كانوا ليتمنوه بما قدمت أيديهم. قلت: أرأيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم: تمنوا، أتراهم كانوا ميتين؟ قال: لا والله ما كانوا ليموتوا ولو تمنوا الموت، وما كانوا ليتمنوه، وقد قال الله ما سمعت: { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين }
وهذا غريب عن الحسن. ثم هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة، ونقله (1) ابن جرير عن قتادة، وأبي العالية، والربيع بن أنس، رحمهم الله.
ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: { قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين* ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين* قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } [الجمعة: 6-8] فهم -عليهم لعائن الله-لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين. فلما نكلوا عن ذلك علم كل أحد (2) أنهم ظالمون؛ لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا علم كذبهم. وهذا (3) كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، وعتوهم وعنادهم إلى المباهلة، فقال تعالى: { فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين } [آل عمران: 61] فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تطرف. فعند ذلك جنحوا للسلم وبذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فضربها عليهم. وبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه، أمينا. ومثل هذا المعنى أو قريب منه قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: { قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا } [مريم: 75]، أي: من كان في الضلالة منا أو منكم، فزاده الله مما هو فيه ومد له، واستدرجه، كما سيأتي تقريره في موضعه، إن شاء الله (4) .
فأما من فسر الآية على معنى: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } أي: إن كنتم صادقين في دعواكم، فتمنوا الآن الموت. ولم يتعرض هؤلاء للمباهلة كما قرره طائفة من المتكلمين وغيرهم، ومال إليه ابن جرير بعد ما قارب القول الأول؛ فإنه قال: القول في تفسير (5) قوله تعالى: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } وهذه الآية مما احتج الله به لنبيه صلى الله عليه وسلم على اليهود الذين كانوا
__________
(1) في جـ: "ونقل".
(2) في أ: "واحد".
(3) في جـ: "وهكذا".
(4) في جـ: "إن شاء الله وبه الثقة".
(5) في جـ، ط، ب، أ، و: "في تأويله".
(1/332)
بين ظهراني مهاجره، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم؛ وذلك أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم إلى قضية عادلة بينه وبينهم، فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره أن يدعو الفريق الآخر من النصارى إذا خالفوه في عيسى ابن مريم، عليه السلام، وجادلوه فيه، إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة. فقال لفريق [من] (1) اليهود: إن كنتم محقين فتمنوا الموت، فإن ذلك غير ضار بكم (2) إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة من الله، بل أعطيكم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته (3) إن كان الأمر كما تزعمون: من أن الدار الآخرة لكم خالصة دوننا. وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم فامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك لعلمها (4) أنها إن تمنت الموت هلكت، فذهبت دنياها وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها، كما امتنع فريق [من] (5) النصارى.
فهذا الكلام منه أوله حسن، وأما آخره فيه نظر؛ وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل، إذ يقال: إنه لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم أنهم يتمنوا الموت فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود أن يعمر ليزداد خيرا وترتفع درجته في الجنة، كما جاء في الحديث: "خيركم من طال عمره وحسن عمله" (6) . [وجاء في الصحيح النهي عن تمني الموت، وفي بعض ألفاظه: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فلعله أن يزداد، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب" (7) ] (8) . ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا: فها أنتم تعتقدون -أيها المسلمون-أنكم أصحاب الجنة، وأنتم لا تتمنون في حال الصحة الموت؛ فكيف تلزمونا بما لا نلزمكم؟
وهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى، فأما على تفسير ابن عباس فلا يلزم عليه شيء من ذلك، بل قيل لهم كلام نصف: إن كنتم تعتقدون أنكم (9) أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من أهل الجنة ومن عداكم [من] (10) أهل النار، فباهلوا على ذلك وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة. فلما تيقنوا ذلك وعرفوا صدقه نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم وافترائهم وكتمانهم الحق من صفة الرسول صلى الله عليه وسلم ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويتحققونه. فعلم كل أحد باطلهم، وخزيهم، وضلالهم وعنادهم
__________
(1) زيادة من جـ.
(2) في أ، و: "غير ضايركم".
(3) في جـ: "وجنانه".
(4) في جـ، ط، ب، أ، و: "لعلمهم".
(5) زيادة من جـ.
(6) جاء من حديث عبد الله بن يسر، وأبي بكرة، وأبي هريرة رضي الله عنهم، فأما حديث عبد الله بن بسر، فرواه الترمذي في السنن برقم (2329) وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" وأما حديث أبي بكرة، فرواه الترمذي في السنن برقم (2330) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وأما حديث أبي هريرة، فرواه أحمد في المسند (2/235).
(7) صحيح البخاري برقم (5671) وصحيح مسلم برقم (2680) من حديث أنس رضي الله عنه.
(8) زيادة من جـ، ب، أ، و.
(9) في و: "أنهم".
(10) زيادة من أ.
(1/333)
-عليهم لعائن الله المتتابعة (1) إلى يوم القيامة.
[وسميت هذه المباهلة تمنيا؛ لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له فيها بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت] (2) .
ولهذا قال تعالى: { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين* ولتجدنهم أحرص الناس على حياة } : أي: [أحرص الخلق على حياة أي] (3) : على طول عمر، لما يعلمون من مآلهم السيئ وعاقبتهم عند الله الخاسرة؛ لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم. وما يحذرون (4) واقع بهم لا محالة، حتى وهم أحرص [الناس] (5) من المشركين الذين لا كتاب لهم. وهذا من باب عطف الخاص على العام.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { ومن الذين أشركوا } قال: الأعاجم.
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث الثوري، وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه. قال: وقد اتفقا على سند تفسير الصحابي (6) . وقال الحسن البصري: { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة } قال: المنافق أحرص الناس على حياة، وهو أحرص على الحياة من المشرك { يود أحدهم } أي: أحد اليهود كما يدل عليه نظم السياق.
وقال أبو العالية: { يود أحدهم } يعني : المجوس، وهو يرجع إلى الأول.
{ لو يعمر ألف سنة } قال الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } قال: هو كقول الفارسي: "زه هزارسال" يقول: عشرة آلاف سنة. وكذا روي عن سعيد بن جبير نفسه أيضا.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو حمزة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله تعالى: { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } قال: هو الأعاجم: "هزارسال نوروزر مهرجان".
وقال مجاهد: { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } قال: حببت إليهم الخطيئة طول العمر.
__________
(1) في جـ، ط، ب: "التابعة"، وفي أ: "البالغة".
(2) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(3) زيادة من جـ، ب، أ، و.
(4) في أ: "وما يجدون".
(5) زيادة من ط.
(6) تفسير ابن أبي حاتم (1/ 286) والمستدرك (2/ 263).
(1/334)
قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين (98)
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: { وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر } أي: ما هو بمنجيه من العذاب. وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة (1) وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي بما صنع (2) بما عنده من العلم.
وقال العوفي، عن ابن عباس: { وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر } قال: هم الذين عادوا جبريل.
وقال أبو العالية وابن عمر (3) فما ذاك بمغيثه (4) من العذاب ولا منجيه منه.
وقال عبد الرحمن بن زيد (5) بن أسلم [في هذه الآية] (6) يهود أحرص على [هذه] (7) الحياة من هؤلاء، وقد ود هؤلاء أن (8) يعمر أحدهم ألف سنة، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب لو عمر، كما عمر إبليس لم ينفعه إذ كان كافرا.
{ والله بصير بما يعملون } أي: خبير بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله.
{ قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين (98) }
قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا [على]





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق