الأربعاء، 5 أبريل 2017

🌿تدبر قوله تعالى { ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246) }🌿


قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: هذا النبي هو يوشع بن نون. قال ابن جرير: يعني ابن أفراثيم (1) بن يوسف بن يعقوب. وهذا القول بعيد؛ لأن هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان
__________
(1) في جـ: "إفراثيم"، وفي أ: "إبراهيم".
(1/664)
ذلك في زمان داود عليه السلام، كما هو مصرح به في القصة وقد كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة والله أعلم.
وقال السدي: هو شمعون (1) وقال مجاهد: هو شمويل عليه السلام. وكذا قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه وهو: شمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام (2) بن إليهو بن تهو بن صوف (3) بن علقمة بن ماحث (4) بن عمرصا بن عزريا بن صفنيه (5) بن علقمة بن أبي ياسف بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام.
وقال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى عليه السلام على طريق (6) الاستقامة مدة الزمان، ثم أحدثوا الأحداث وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقيمهم على منهج التوراة إلى أن فعلوا ما فعلوا فسلط الله عليهم أعداءهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا خلقا كثيرا وأخذوا منهم بلادا كثيرة، ولم يكن أحد يقاتلهم إلا غلبوه وذلك أنهم كان عندهم التوراة والتابوت الذي كان في قديم (7) الزمان وكان ذلك موروثا لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم عليه الصلاة والسلام (8) فلم يزل بهم تماديهم (9) على الضلال حتى استلبه (10) منهم بعض الملوك في بعض الحروب وأخذ التوراة من أيديهم ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل وانقطعت النبوة من أسباطهم ولم يبق من سبط (11) لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلا امرأة حامل من بعلها وقد قتل فأخذوها فحبسوها في بيت واحتفظوا بها لعل الله يرزقها غلاما يكون نبيا لهم ولم تزل [تلك] (12) المرأة تدعو الله عز وجل أن يرزقها غلاما فسمع الله لها ووهبها غلاما، فسمته شمويل: أي: سمع الله. ومنهم من يقول: شمعون وهو بمعناه فشب ذلك الغلام ونشأ فيهم وأنبته (13) الله نباتا حسنا فلما بلغ سن الأنبياء أوحى الله إليه وأمره بالدعوة إليه وتوحيده، فدعا بني إسرائيل فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا يقاتلون معه أعداءهم وكان الملك أيضا قد باد فيهم (14) فقال لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام الله لكم ملكا ألا تفوا بما التزمتم من القتال معه { قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا } أي: وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد؟ قال الله تعالى: { فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين } أي: ما وفوا بما وعدوا بل نكل عن الجهاد أكثرهم والله عليم بهم.
__________
(1) في و: "شمويل".
(2) في جـ: "حام" وفي و: "نزخام".
(3) في جـ: "قهوص"، وفي أ: "قهرص"، وفي و: "بهرص".
(4) في أ: "بن ماحب".
(5) في جـ، و: "بن صفيه".
(6) في جـ: "على طريقة".
(7) في و: "في قيد".
(8) في جـ، أ، و: "عليه أفضل الصلاة والسلام".
(9) في جـ: "يردهم"، وفي و: "عادتهم".
(10) في جـ: "حتى أسلبه".
(11) في جـ: "من وسط".
(12) زيادة من جـ، أ.
(13) في جـ، "فأنبته".
(14) في جـ: "منهم".
(1/665)
وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (248)
{ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) }
أي: لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكا منهم فعين لهم طالوت وكان رجلا من أجنادهم ولم يكن من بيت الملك فيهم؛ لأن الملك فيهم كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط فلهذا قالوا: { أنى يكون له الملك علينا } أي: كيف يكون ملكا علينا { ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } أي: ثم هو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك، وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء وقيل: دباغا. وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنت وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف ثم قد أجابهم النبي قائلا { إن الله اصطفاه عليكم } أي: اختاره لكم من بينكم والله أعلم به منكم. يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك { وزاده بسطة في العلم والجسم } أي: وهو مع هذا أعلم منكم، وأنبل وأشكل منكم وأشد قوة وصبرا (1) في الحرب ومعرفة بها أي: أتم علما وقامة منكم. ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه ثم قال: { والله يؤتي ملكه من يشاء } أي: هو الحاكم الذي ما شاء فعل ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون لعلمه [وحكمته] (2) ورأفته بخلقه؛ ولهذا قال: { والله واسع عليم } أي: هو واسع الفضل يختص برحمته من يشاء عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه.
{ وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (248) }
يقول نبيهم لهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم.
{ فيه سكينة من ربكم } قيل: معناه فيه وقار، وجلالة.
قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة { فيه سكينة } أي: وقار. وقال الربيع: رحمة (3) . وكذا روي عن العوفي عن ابن عباس وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: { فيه سكينة [من ربكم] (4) } قال: ما يعرفون من آيات الله فيسكنون (5) إليه.
وقيل: السكينة طست من ذهب كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء، أعطاها الله موسى عليه السلام فوضع فيها الألواح. ورواه السدي عن أبي مالك عن ابن عباس.
وقال سفيان الثوري: عن سلمة بن كهيل عن أبي الأحوص عن علي قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان ثم هي روح هفافة.
وقال ابن جرير: حدثني [ابن] (6) المثنى حدثنا أبو داود حدثنا شعبة وحماد بن سلمة، وأبو الأحوص كلهم عن سماك عن (7) خالد بن عرعرة عن علي قال: السكينة ريح خجوج ولها
__________
(1) في أ: "وخبرا".
(2) زيادة من جـ، و، وفي أ: "وحلمه".
(3) في جـ: "رحمة الله".
(4) زيادة من جـ، و.
(5) في أ: "تسكنون".
(6) زيادة من تفسير الطبري (5/327).
(7) في جـ: "عن سماك بن".
(1/666)
رأسان.
وقال مجاهد: لها جناحان وذنب. وقال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: السكينة رأس هرة ميتة إذا صرخت في التابوت بصراخ هر، أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن منبه (1) يقول: السكينة روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تكلم فأخبرهم ببيان ما يريدون.
وقوله: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } قال ابن جرير: أخبرنا ابن المثنى حدثنا أبو الوليد حدثنا حماد عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } قال: عصاه ورضاض الألواح. وكذا قال قتادة والسدي والربيع بن أنس وعكرمة وزاد: والتوراة.
وقال أبو صالح { وبقية } يعني: عصا موسى وعصا هارون ولوحين (2) من التوراة والمن.
وقال عطية بن سعد: عصا موسى وعصا هارون وثياب موسى وثياب هارون ورضاض الألواح.
وقال عبد الرزاق: سألت الثوري عن قوله: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } فقال: منهم من يقول قفيز من من، ورضاض الألواح. ومنهم من يقول: العصا والنعلان.
وقوله: { تحمله الملائكة } قال ابن جريج: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت (3) بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون.
وقال السدي: أصبح التابوت في دار طالوت فآمنوا بنبوة شمعون وأطاعوا طالوت.
وقال عبد الرزاق عن الثوري عن بعض أشياخه: جاءت به الملائكة تسوقه على عجلة على بقرة وقيل: على بقرتين.
وذكر غيره أن التابوت كان بأريحا (4) وكان المشركون لما أخذوه وضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الكبير، فأصبح التابوت على رأس الصنم فأنزلوه فوضعوه تحته فأصبح كذلك فسمروه تحته فأصبح الصنم مكسور القوائم ملقى بعيدا، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قبل لهم به فأخرجوا التابوت من بلدهم، فوضعوه في بعض القرى (5) فأصاب أهلها داء في رقابهم (6) فأمرتهم جارية من سبي بني إسرائيل أن يردوه إلى بني إسرائيل حتى يخلصوا من هذا الداء، فحملوه على بقرتين فسارتا به لا يقربه أحد إلا مات، حتى اقتربتا من بلد بني إسرائيل فكسرتا النيرين (7) ورجعتا وجاء بنو إسرائيل فأخذوه فقيل: إنه تسلمه داود عليه السلام وأنه لما قام إليهما (8) حجل من فرحه بذلك. وقيل: شابان منهم فالله أعلم. وقيل: كان التابوت بقرية من قرى فلسطين يقال لها: أزدرد.
وقوله: { إن في ذلك لآية لكم } أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من
__________
(1) في أ: "بن منصور".
(2) في جـ: "ولوحان".
(3) في جـ: "وتحمل التوابيت".
(4) في جـ: "كان تاريخا".
(5) في و: "بعض القرايا".
(6) في جـ: "في قلوبهم".
(7) في جـ: "النيرير".
(8) في جـ: "قام إليه" وفي و: "قام إليهما".
(1/667)
طاعة طالوت: { إن كنتم مؤمنين } أي: بالله واليوم الآخر.
(1/668)
فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين (249)
{ فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين (249) }
يقول تعالى مخبرا عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل وكان جيشه يومئذ فيما ذكره السدي ثمانين ألفا فالله أعلم، أنه قال: { إن الله مبتليكم [بنهر] (1) } قال ابن عباس وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين يعني: نهر الشريعة المشهور { فمن شرب منه فليس مني } أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه { ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده } أي: فلا بأس عليه قال الله تعالى { فشربوا منه إلا قليلا منهم } قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده روي، ومن شرب منه لم يرو. وكذا رواه السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس. وكذا قال قتادة وابن شوذب.
وقال السدي: كان الجيش ثمانين ألفا فشرب ستة وسبعون ألفا وتبقى معه أربعة آلاف كذا قال.
وقد روى ابن جرير من طريق إسرائيل وسفيان الثوري ومسعر (2) بن كدام عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن. ورواه البخاري عن عبد الله بن رجاء عن إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن البراء (3) قال: "كنا -أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم-نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت، الذين جازوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة" (4) .
ثم رواه من حديث سفيان الثوري وزهير، عن أبي إسحاق عن البراء بنحوه (5) ولهذا قال تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } أي: استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم فشجعهم علماؤهم [وهم] (6) العالمون بأن وعد الله حق فإن النصر من عند الله ليس عن (7) كثرة عدد ولا عدد. ولهذا قالوا: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين }
__________
(1) زيادة من أ، و.
(2) في جـ: "ومسعود".
(3) في هـ، أ، و: "عن أبي إسحاق عن جده عن البراء" والمثبت من البخاري.
(4) صحيح البخاري برقم (3958).
(5) صحيح البخاري برقم (3957) من حديث زهير وبرقم (3959) من حديث سفيان.
(6) زيادة من جـ.
(7) في أ: "لا من".
(1/668)
ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (250) فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين (251) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252)
{ ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (250) فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين (251) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252) }
أي: لما واجه حزب الإيمان -وهم قليل-من أصحاب طالوت لعدوهم أصحاب جالوت -وهم عدد كثير-{ قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا } أي: أنزل علينا صبرا من عندك { وثبت أقدامنا } أي: في لقاء الأعداء وجنبنا الفرار والعجز { وانصرنا على القوم الكافرين }
قال الله تعالى: { فهزموهم بإذن الله } أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم { وقتل داود جالوت } ذكروا في الإسرائيليات: أنه قتله بمقلاع كان في يده رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته ويشركه (1) في أمره فوفى له ثم آل (2) الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة؛ ولهذا قال تعالى: { وآتاه الله الملك } الذي كان بيد طالوت { والحكمة } أي: النبوة بعد شمويل { وعلمه مما يشاء } أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } أي: لولاه يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا كما قال: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا } الآية [الحج:40].
وقال ابن جرير، رحمه الله: حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة عن وبرة بن عبد الرحمن عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء". ثم قرأ ابن عمر: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } (3) وهذا إسناد ضعيف فإن يحيى بن سعيد [هذا] (4) هو أبو زكريا العطار الحمصي وهو ضعيف جدا.
ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو حميد الحمصي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله عز وجل ما دام فيهم" (5) .
وهذا أيضا غريب ضعيف لما تقدم أيضا. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم أخبرنا علي بن إسماعيل بن حماد أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد أخبرنا زيد بن الحباب، حدثني حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء (6) عن ثوبان -رفع
__________
(1) في جـ: "ويشاركه".
(2) في جـ: "بما آل".
(3) تفسير الطبري (5/374).
(4) زيادة من أ، و.
(5) تفسير الطبري (5/375).
(6) في جـ: "بن أبي أسامة".
(1/669)
الحديث-قال: "لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون وبهم تمطرون وبهم ترزقون حتى يأتي أمر الله" (1) .
وقال ابن مردويه أيضا: وحدثنا محمد بن أحمد (2) حدثنا محمد بن جرير بن يزيد، حدثنا أبو معاذ نهار بن عثمان الليثي أخبرنا زيد بن الحباب أخبرني عمر البزار، عن عنبسة الخواص، عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأبدال في أمتي ثلاثون بهم تقوم الأرض، وبهم تمطرون وبهم تنصرون" قال قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم (3) .
وقوله: { ولكن الله ذو فضل على العالمين } أي: من عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضا وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله.
ثم قال تعالى: { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين } أي: هذه آيات الله التي قصصناها عليك من (4) أمر الذين ذكرناهم بالحق أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر، المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل { وإنك } يا محمد { لمن المرسلين } وهذا توكيد وتوطئة للقسم.
__________
(1) ورواه عبد الرزاق في المصنف برقم (20457) عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة مرسلا.
(2) في جـ: "وحدثنا أحمد بن محمد".
(3) ورواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق محمد بن الفرج عن زيد بن الحباب به، وقال الهيثمي في المجمع (10/63): "رواه الطبراني من طريق عمرو البزار عن عنبسة الخواص وكلاهما لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
فائدة: قال الإمام ابن القيم في المنار المنيف (ص136): "أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والاوتاد كلها باطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقرب ما فيها: "لا تسبوا أهل الشام فإن فيهم البدلا، كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلا آخر" ذكره أحمد ولا يصح أيضا، فإنه منقطع".
(4) في جـ: "في".
(1/670)
تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253)





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق