السبت، 6 أغسطس 2016

قال ابن كثير تفسير قوله تعالى : { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118) }

قال ابن كثير تفسير قوله تعالى : { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118) }
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إن كنت رسولا من الله كما تقول، فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه. فأنزل الله في ذلك من قوله: { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية }
وقال مجاهد [في قوله] (2) { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية } قال: النصارى تقوله.
وهو اختيار ابن جرير، قال: لأن السياق فيهم. وفي ذلك نظر.
[وحكى القرطبي { لولا يكلمنا الله } أي: لو يخاطبنا بنبوتك يا محمد، قلت: وظاهر السياق أعم، والله أعلم] (3) .
وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي في تفسير هذه الآية: هذا قول كفار العرب { كذلك قال الذين من قبلهم [مثل قولهم ] (4) } قالوا: هم اليهود والنصارى. ويؤيد هذا القول، وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب، قوله تعالى: { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون } [الأنعام: 123] .
__________
(1) زيادة من أ، و.
(2) زيادة من أ.
(3) زيادة من جـ، ط.
(4) زيادة من جـ.
(1/399)
إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم (119)
وقوله تعالى: { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا* أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا* أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا* أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا } [الإسراء: 90-93] ، وقوله تعالى: { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا } [الفرقان: 21] ، وقوله: { بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة } [المدثر: 52] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم، كما قال تعالى: { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة } [النساء: 153] وقال تعالى: { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } [البقرة: 55] .
وقوله: { تشابهت قلوبهم } أي: أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو، كما قال تعالى: { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون* أتواصوا به بل هم قوم طاغون } [الذاريات: 52، 53] .
وقوله: { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } أي: قد وضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى، لمن أيقن (1) وصدق واتبع الرسل، وفهم ما جاؤوا به عن الله تبارك وتعالى. وأما من ختم الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة فأولئك الذين قال الله تعالى فيهم: { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون* ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم } [يونس: 96، 97] .
[قوله تعالى] (2)
{ إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم (119) }
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الفزاري عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت علي: { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } قال: "بشيرا بالجنة، ونذيرا من النار" (3) .
وقوله: { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } قراءة أكثرهم (4) { ولا تسأل } بضم التاء على الخبر. وفي قراءة أبي بن كعب: "وما تسأل" وفي قراءة ابن مسعود: "ولن تسأل عن أصحاب الجحيم"
__________
(1) في أ: "لمن اتقى".
(2) زيادة من ط.
(3) تفسير ابن أبي حاتم (1/354).
(4) في ب، أ، و: "قراءة بعضهم".
(1/400)
نقلهما (1) ابن جرير، أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك، { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب } [الرعد:40] وكقوله تعالى: { فذكر إنما أنت مذكر* لست عليهم بمصيطر } الآية [ الغاشية : 21 ، 22 ] وكقوله تعالى: { نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } [ ق : 45 ] وأشباه ذلك من الآيات.
وقرأ آخرون (2) "ولا تسأل عن أصحاب الجحيم" بفتح التاء على النهي، أي: لا تسأل عن حالهم، كما قال عبد الرزاق:
أخبرنا الثوري، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليت شعري ما فعل أبواي، ليت شعري ما فعل أبواي، ليت شعري ما فعل أبواي؟". فنزلت: { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } فما ذكرهما (3) حتى توفاه الله، عز وجل.
ورواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن وكيع، عن موسى بن عبيدة، [وقد تكلموا فيه عن محمد بن كعب] (4) بمثله (5) وقد حكاه القرطبي عن ابن عباس ومحمد بن كعب قال القرطبي: وهذا كما يقال لا تسأل عن فلان؛ أي: قد بلغ فوق ما تحسب، وقد ذكرنا في التذكرة أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا، وأجبنا عن قوله:(إن أبي وأباك في النار).(قلت): والحديث المروي في حياة أبويه عليه السلام ليس في شيء من الكتب الستة ولا غيرها، وإسناده ضعيف والله أعلم.
ثم قال [ابن جرير] (6) وحدثني القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جريج، أخبرني داود بن أبي عاصم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: "أين أبواي؟". فنزلت: { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } (7) .
وهذا مرسل كالذي قبله. وقد رد ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب [القرظي] (8) وغيره في ذلك، لاستحالة الشك من الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر أبويه. واختار القراءة الأولى. وهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر، لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه قبل أن يعلم أمرهما، فلما علم ذلك تبرأ منهما، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار [كما ثبت ذلك في الصحيح] (9) ولهذا أشباه كثيرة ونظائر، ولا يلزم ما ذكر (10) ابن جرير. والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، وأنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ ولا
__________
(1) في ب، ط: "نقلهما".
(2) في أ: "وقرأ البصريون".
(3) في أ: "فما ذكره".
(4) تفسير عبد الرزاق (2/78) وتفسير الطبري (2/558) وموسى بن عبيدة ضعيف جدا.
(5) زيادة من ط، أ.
(6) زيادة من ط، أ.
(7) تفسير الطبري (2/559).
(8) زيادة من ط.
(9) زيادة من أ.
(10) في أ، و: "ما ذكره".
(1/401)
سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله. فيفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا.
انفرد بإخراجه البخاري، فرواه في البيوع عن محمد بن سنان، عن فليح، به (1) . وقال: تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال. وقال سعيد: عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام. ورواه في التفسير عن عبد الله، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به (2) . فذكر نحوه، فعبد الله هذا هو ابن صالح، كما صرح به في كتاب الأدب. وزعم أبو مسعود الدمشقي أنه عبد الله بن رجاء.
وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من البقرة، عن أحمد بن الحسن بن أيوب، عن محمد بن أحمد بن البراء، عن المعافى بن سليمان، عن فليح، به. وزاد: قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار، فسألته فما اختلفا في حرف، إلا أن كعبا قال بلغته: أعينا عمومى، وآذانا صمومى، وقلوبا غلوفا (3)
__________
(1) المسند (2/174) وصحيح البخاري برقم (2125).
(2) صحيح البخاري برقم (4838).
(3) في ط: "وقلوبا غلفى".
(1/402)
ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير (120) الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون





المصدر :-
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
http://www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق